حقيقة الكوارث والمصائب وكيف ينظر إليها المؤمن؟
الحمد لله المستحق لجميع المحامد والصلاة والسلام على إمام كل شاكر وحامد وعلى آله وصحبه وكل عابد
هذه أقوال علماء كبار نقلتها لكم وبعضها في موقعي وليس لي إلا التعليقات الطفيفة حول وضعنا الحالي بسبب أخبار سيول جده وقبلها الزلازل خلال هذه السنة وكارثة تسونامي... وما جرى مما لا يمكن إحصاؤه خاصة خلال السنتين الهجرية 1429 و1430
الاسم غير الذات ، فإن اسم زيد ليس هو عين زيد .. و لكن الاسم يدل على المسمى .. فإن قلنا زيد بن عمرو فلا يوجد إلا زيد واحد ابن عمرو واحد .. فالاسم يدل على ذات المسمى ..
و الصفة كما تعلم من خواص المسمى .. فزيد طويل أو قصير .. و لكنها لا تغني عن الاسم في التعريف فإن قلت الطويل أو القصير فقد يكون زيداً و قد يكون غيره .. فالاسم دال على المسمى و الصفة مضافة إليه أو خاصة به.
و الصفة تحيط بها علماً .. و لكنك تدركها بالإدراك و الحواس .. و علمك بها غير إحساسك بها
يقول تعالى في سورة الشورى 48 : "... و إنَّا إذا أذقنا الإنسان مِنَّا رحمةً فَرِحَ بها ..."!!
فالرحمة تذاق ،
و يقول تعالى في سورة الأعراف 180 : "و لله الأسماء الحسنى فادعوه بها ..." . و يقول في سورة الأعلى : "سبح اسم ربك الأعلى" ، و في سورة المزمل : "و اذكر اسم ربك و تبتَّل إليه تبتيلاً" ، و يقول صلى الله عليه و سلم " إن لله تسعة و تسعين اسما من أحصاها دخل الجنة" أي من دعا بها و سبح بها و ذكر الله تعالى بها .. فالله تعالى هو الرحمن الرحيم الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار المتكبر الخالق البارئ المصور .. إلى آخر الأسماء المعروفة
فأسماء الله تعالى هي الدالة على صفاته جل شأنه .. ، و أنت تعلم الاسم الدال على الصفة فالرحيم يدل على الرحمة و لكن لا ترى الرحمة .. و لكنك تدركها برؤية آثارها حيث يقول تعالى : "فانظر إلى آثار رحمة الله كيف يحيي الأرض بعد موتها ..." ، فالنظر إلى الأثر ، أمَّا الإدراك فهو بالقلب .. ،
فأسماء الله تعالى و صفاته ليست أسماء و صفات مجردة المعنى ذات دلالة فقط ، و لكنها الصفات و الأسماء التي يعامل الله بها خلقه أجمعين
فصفته تعالى أنه الخالق مثلاً تجد فيها أسرار خلق الله تعالى لكل الكائنات ، و صفته تعالى الرزاق تجد فيها أسرار توزيع رزقه على خلقه ، و صفته تعالى القهار تجد فيها أسرار قهره لجميع الموجودات ، و هكذا مما يضيق الكلام عنه ..
فإذا تجلَّى الله تعالى على قوم باسمه تعالى الرحيم فإنك تجدهم قد تراحموا و تحابوا و تواصلوا و كانت الرحمة في قلوبهم .. و المودة بينهم و هم أنفسهم لا يدرون لذلك سببا .. و لكنها تجليات الله عليهم باسمه تعالى الرحيم ، انظر إلى قول رسول الله صلى الله عليه و سلم في الحديث المتفق عليه من رواية أبو هريرة رضي الله عنه ، و كذلك رواه الإمام أحمد و الإمام مسلم عن سلمان و عن أبي سعيد أن الله تعالى قد قسَّم رحمته إلى مائة جزء فانزل منها في الأرض جزءا واحدا .. و أخَّر تسعة و تسعين جزءا إلى يوم القيامة يوم غضبة الجبار .. فمن هذا الجزء من مائة يتراحم الناس و البهائم حتى أن البهيمة ترفع رجلها عن وليدها أن يصيبه مكروه ..
فانظر كيف يتراحم الناس و الخلق أجمعين على اختلاف أجناسهم و على كافة عصورهم من تجليات الله عليهم بجزء من مائة من رحمته جل شأنه ..
و قس على ذلك كل الصفات ، فإدارة الكون و كل ما فيه من الكائنات فإنما هي تجليات من صفاته تعالى ، فلا يشفى مريض إلاَّ إذا كان له حظ من تجليات اسمه تعالى الشافي ، و لا يموت ميت إلاَّ بتجليات اسمه تعالى المميت ، و لا يصل رزقك إليك إلاَّ بتجليات اسمه تعالى الرزاق ، إلى آخره ..
*
وللتوسع والتوضيح قليلا نقول:
عَالَمُ المُلْكِ هو كل ما تراه وتلمسه بحواسك من نظرٍ وسمعٍ ولمسٍ وغيرهم سواءُ بحواسك المجردة أو باستخدام وسيلة تساعدك.
فالأرض، والجبال، و البحار، والنبات، والحيوان، والجماد، وغيرهم يجمعهم جميعا عَالَمُ المُلْك أو عَالَمُ الشهادة،ولا مانع أن يكون لكلِّ عَالَمٍ منهم قوانينه الخاصة، ولكنهم كُلُّهم جميعا داخل إطار عالم المُلْك.
وفى هذا العالم تجرى أفعال اللَّه تعالى على عباده ابتداءً من تصويرهم، وخلقهم، وإيجادهم، وإعاشتهم واللطف بهم، والهيمنة عليهم، وتسخيرهم، وحفظ قوانينهم وحتى يوم فنائهم.
فعَالَمُ المُلْك هو عَالَم الشهادةِ الذى تجرى فيه وتظهر أفعالُ اللَّه تعالى على عباده، وهذه الأفعال تظهر بمقتضى أسمائه العلية... فبمقتضى إسم اللَّه تعالى الرحيم تظهر الرحمة، وبمقتضى إسم اللَّه تعالى اللطيف يظهر اللطف، وبمقتضى إسمه تعالى الرزاق يجرى الرزق عليهم، وبمقتضى إسمه تعالى المحيى والمميت يظهر إحياؤهم وإماتتهم..
لذلك نقول أن عالم الشهادة هو عالم الأفعال والأسماء الإلاهية أو نقول هى حضرات الأسماء *و الأفعال الإلاهية.
وكل إسمٍ من أسماء اللَّه تعالى له حضرته التى تتجلى على الناس أفعالُ اللَّه فيهم بمقتضى هذا الإسم وخصائصه، فترى قوما يضحكون ويرقصون، وقوما ينوحون ويبكون، وقوما يأكلون وبشربون فى سعة، وقوما فى مجاعة وضنك، وقوما يموتون موتا جماعيا فى كوارث، وهكذا... كل قوم تحت قهرِ سلطانِ إسم من أسماء اللَّه تعالى وأفعاله.
وكل قوم فى حضرة، وكل حضرةٍ لها إسمٌ من أسماء اللَّه، وكل إسمٍ يجرى منه ما يناسبه من أفعال... والله تعالى هو القاهر فوق عباده جميعا، وهو الفعال فيهم لما يريد جَلَّ شانه.
وتلاحظ أن كل موجود فى هذه العوالم من عوالم الملك والشهادة له نَفْس.
فكل حيوانٍ له نَفْس (حيوانية)، وكل إنسانٍ له نَفْس، وكل جمادٍ له نَفْس (جمادية)، وكل نباتٍ له نَفْس (نباتية).
وهذه النفْسُ هى التى تُدَبِّرُ له سبيل معيشته فى هذا العالم، "أعطى كل شئ خَلْقه ثم هدى"...
فالطفل بل وكل حيوان مولود يلقم ثدى الأم عقب الولادة دون تعليم من بشر، والرياحُ تلقحُ النبات، والبحارُ فيها الجزْر والمَدُّ، والأرض فيها البراكينُ والزلازلُ، والأفلاكُ لها مساراتٌ تَسْبَحُ فيها، والأرض والسموات قالتا للَّه تعالى " أتينا طائعين "، والجبال أَوَّبَتْ مع سيدنا داود عليه السلام، ويسبِّح* الرعد بحمده، "وقيل يا أرض ابلعى ماءك ويا سماء أقلعى"
فكل هذه المخلوقات لها كيانٌ ووجود، ثم لها أنفس أيضا تناسب ما خُلقت له، وما كُلِّفَتْ به.
إذاً نقول أن عَالَم الملك أو عَالَم الشهادة أو عَالَم الأفعال والأسماء هو أيضا عَالَمُ الأنفس والأبدان، وهو أيضا حضرة الرُّبُوبِيَّة التى يربِّى اللَّه تعالى عبيده فيها، فيوجدهم وَيُقِيتُهُم ثم يُفْنيهم.
ومعنى هذا أن حضرات الأسماء الإلاهية وما ينتج عنها من أفعال فى الكون هى المتصرفة فى الحقيقة فى عالم الملك والشهادة، وهو أيضا عَالَمُ الأنفس والأبدان.
يتبع.. قريبا ونبدأ هناك بهذه الأبيات
وإن شاء يغضب وهو أمر مقدر **** قديما على كل أمرئ. قد تفصلا
حقائق علم مالها علل قضى **** بهنّ قديم قد تحققن أوّلا
فكن مسلِّما لله ربك واستقم **** تجده رحيما منعما متفضلا
وأنت له عبد وظيفتك الرضى **** ومالك معه أن ترى لك مدخلا
فسلم له تسلم وكن مقبلا على **** أوامره واترك نواهي ماتلا
99% من المكتوب هنا من كلام الشيخ صلاح الدين القوصي من كتبه النثرية alabd.com
| التالي > |
|---|






![]() | اليوم | 60 |
![]() | أمس | 153 |
![]() | هذا الأسبوع | 60 |
![]() | الأسبوع الماضي | 1289 |
![]() | هذا الشهر | 3893 |
![]() | الشهر الماضي | 4877 |





