الناس يبحثون... عنه ولا يدرون
البشر لديهم فوارق ظاهرية بيّنة، سواء من حيث تركيبتهم السيكولوجية أو العاطفية أو الأدوار التي يلعبونها في الحياة أو الأعمال والنشاطات التي يمارسونها أو الرغبات التي يحسّ بها كل منهم.
لكن تحت كل هذه الفوارق يكمن شيئان اثنان يريدهما بل ويحتاجهما كل إنسان دون استثناء.
أحدهما هو التحرر من كل صور التألم والعوز. أما الشيء الآخر فهو السعادة التامة والدائمة.. الرضاء الكلي حيث السلام والحب والحكمة والفرح.
في الحقيقة إن ما يسعى البشر لبلوغه هو الله سواء استعملوا تلك التسمية أم لم يستعملوها. الحكماء يقولون أن الله هو جوهر الغبطة وروح السعادة. ولن يشعر الإنسان بالرضاء التام ما لم يستق مباشرة من الينبوع الكوني. وتلك نقطة محورية لفهم الحالة البشرية.
ولكن أين يبحث الناس عن ضالتهم المنشودة؟
يبحثون عنها في الأمور الدنيوية فقط: في الممتلكات والظروف الخارجية والعلاقات مع أشخاص آخرين. إنما مستحيل العثور على ذلك الكمال في أي شيء أو في أي شخص أو في أي ظرف في هذا العالم نظراً لطبيعة الخليقة نفسها.
الخليقة قائمة على مبدأ الثنائية. يستحيل الحصول على صورة بلون واحد فقط. لا غنى عن النقيض ولا محيص.
وبالمثل، مستحيل أن يوجد مظهر واحد من مظاهر الوجود بمعزل عن الازدواجية. لكن لدى تمحيص الرغبات التي تحرّك الناس نجد أن كلا منا يرغب فقط بالحصول على الأشياء الطيبة، الممتعة، الجميلة، والإيجابية دون أدنى رغبة في التعامل مع كل ما هو كريه وغير مستحب. لكن ذلك من رابع المستحيلات!
في هذا العالم الثنائي لا وجود للّذة دون الألم، أو للنور دون الظلام، أو للخير دون الشر، أو للحياة دون الموت.
لا يمكن فصل أحد وجهيّ العملة عن الوجه الآخر. وهذا يعني أن ما نتشوق إليه في أعمق أعماقنا لا يمكن الحصول عليه من بضاعة العالم.
هناك قول شرقي مأثور في هذا السياق هو: "تلك هي الحقيقة سواء عرفتها الآن أو بعد ألف عام."
وبعبارة أخرى هل مكتوب علينا مواصلة البحث في المكان الخطأ وبالتالي الشعور بالخيبة والإحباط نتيجة لذلك؟
الناس يبحثون.. أجل يبحثون بكل ما أوتوا من قوة لكنهم غير قادرين على العثور على ما يبحثون عنه مما يخلق في نفوسهم القنوط وفقدان الأمل.
ولا يؤدي ذلك إلى القنوط وحسب بل إلى استياء كبير وغضب عارم، وبالتالي إلى أعمال عنف.
هذا كله يحدث لأنهم لا يبحثون عن ضالتهم في المكان الصحيح، ونتيجة لذلك لا يعثرون على مُنية قلوبهم.
الناس في عصرنا هذا لا يعرفون الكثير عن ماهية الحياة وغايتها، ولذلك يعانون من الحيرة والإرباك.
الإنسان في طبيعته كائنٌ يبحث عن هدف. فإن لم يكن له من هدف في الحياة، وإن كان عقله وطاقاته وإرادته وعواطفه غير موجّهة في منحى إيجابي بنّاء يتحول إلى اتجاهات مدمرة كتعاطي الكحول والمخدرات واللجوء إلى العنف وهم جرّا.
الغاية الأسمى للحياة هي معرفة الله. لابد أن تنظر إلى الصورة من كافة جوانبها وأبعادها. تعلّم إحداث توافق بين أدوارك ونشاطاتك الخارجية عن طريق العمل الصحيح والنظرات السليمة والمواقف الإيجابية والتصريف النافع للعواطف.
هذان المظهران لطبيعتنا: المظهر الباطني أو الروحي والمظهرالخارجي ليسا في تناقض مع بعضهما فيما لو تم فهمهما على الوجه الصحيح. بل يدعم أحدهما الآخر ويساعداننا على تنمية وتطوير قدراتنا وإمكاناتنا مادياً ونفسياً وعاطفياً وروحياً.
الناس يعيشون في فراغ كبير دون حوافز فكرية أو منشطات نفسية.. يشعرون بالسأم لانعدام الغاية ولفقدان ما من شأنه أن يعطي لحياتهم قيمة ومعنى.
الشخص العادي قد يستطيع العمل والتصرف كما لو كان متكاملاً من الناحيتين النفسية والعقلية، ولكن هل هو سعيد؟
الغاية الرئيسية من الحياة هي معرفة من نحن وما هي طبيعتنا الحقة.
فإن أولينا الجانب الأعمق من الحياة الاهتمام الذي يستحقه لا بد أن نشعر بالسعادة لأن سعادة الإنسان مرتبطة بتواصله مع ذاته المعنوية التي لا كيان له ولا كينونة بدونها.
| < السابق | التالي > |
|---|






![]() | اليوم | 67 |
![]() | أمس | 159 |
![]() | هذا الأسبوع | 750 |
![]() | الأسبوع الماضي | 1161 |
![]() | هذا الشهر | 3810 |
![]() | الشهر الماضي | 4752 |





