وجوب محبته عليه أفضل الصلاة والسلام
أثر المثل الأعلى في سلوك الإنسان.
ولعلك تقول أَجِدُكَ كلما عرضت لك مناسبة وكلما انفسح أمامك مجال تنتهز الفرصة وتغتنمها لتتكلم عن صلة النفس بنفس رسول الله صلى الله عليه وسلم وإنك دوماً لتؤكِّد وجوب محبته وارتباط النفس به صلى الله عليه وسلم تأكيداً يكاد يجعل هذه المحبة وهذا الارتباط فرضاً ضرورياً وأمراً لازماً، فهل من آية في القرآن الكريم، أم هل من حديث شريف ورد عنه صلى الله عليه وسلم يبيِّن ضرورة هذه المحبة وهذا الارتباط، أم أنها أذواق تتذوقها وأشواق اعتلجت في نفسك وحلَّت بها لا تبرحها فجعلت تتحيَّن الفرص وتوجد المناسبات لتعبِّر عنها وتبثُّها.
إن كثيراً من الناس في عصرنا قَلَّ أن يتعرَّضوا لهذه الناحية أو يعرفوا شيئاً عنها حتى إنهم ليستغربون منك هذه الأحاديث التي تسوقها بهذا الخصوص استغراباً شديداً، فهل من أثارة من علم أو هل من مستند إلى كتاب أو سنة يُشير إلى هذه الناحية وينير أمامنا السبيل تجاه هذه النقطة الهامة؟.
وفي الجواب عن هذا السؤال وتوضيحاً لهذه الناحية أقول:
ما أوصل كثيراً من الناس إلى ما أوصلهم إليه من بعد ذريع عن طريق الفضيلة والكمال وما أوقعهم فيما أوقعهم به من تدهور مريع في الدين والأخلاق إلاَّ عدم تقديرهم وتعظيمهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم، إذ من القوانين العامة والسنن الكونية الثابتة التي يؤيدها علم النفس وعلم الاجتماع أن فقدان المثل الأعلى يصل بالإنسان حتماً شاء أم أبى إلى هذا التدهور وهذا الانحطاط.
الطريق الموصلة إلى محبته صلى الله عليه وسلم
1ـ قانون ارتباط الأتباع بزعيمهم.
3ـ الإيمان الحقيقي هو السبيل الموصلة إلى محبة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
1ـ قانون ارتباط الأتباع بزعيمهم
وتسألني عن طريق محبة رسول الله صلى الله عليه وسلم وتحب أن تتعرَّف إلى الأصول التي يوصلك التمسُّك بها إلى هذه المحبة السامية، وتقول ما من شيءٍ في هذا الكون إلاَّ وله سنةٌ وقانون وأصول وما دامت سعادة الإنسان مرتبطة بمحبة الرسول فما الطريق إليها وما الأصول الواجب اتِّباعها؟. فأقول:
ما من طريق ولا وسيلةٍ تصل بك إلى حبِّ رسول الله وتقديره إلاَّ إذا انطوت نفسك على قبس من بعض صفاته أو طرف من أخلاقه، إذ من السنن الكونية لهذه النفس الإنسانية ومن القواعد العامة التي أصبحت اليوم معروفة في علم النفس الاجتماعي أنه لا ينشأ الارتباط النفسي بين الزعيم والأتباع إلا إذا مثَّلهم جميعاً في منازعهم وتفوَّق عليهم في اتجاهاتهم. فإذا لم يكن كل واحد من الأتباع متخلِّقاً نوعاً ما بُخلُق من أخلاق قائده، وإذا لم تنطوِ نفس التابع على قليلٍ أو كثير من إحدى صفات زعيمه فلا يمكن أن يتولَّد هذا التقدير ولا أن يحصل هذا الارتباط بالمحبة بين النفسين، وإذا كان هذا الارتباط يتزايد وينمو كلما ازدادت هذه الصفة في التابع ظهوراً وتمكُّناً وزاد فيها من ذلك الزعيم قرباً ودنواً فلا ريب أن تحقُّق التابع بأكثر من صفةٍ واحدة يجعله أكثر لذلك المثل الأعلى تقديراً وأشد به ارتباطاً وحبّاً.
هذه قواعد وقوانين لا تختلف ولا تتبدل وكل شيء في هذا الكون إنما يعمل ضمن سنةٍ وقانون ولن تجد لسنة الله تبديلاً.
3ـ الإيمان الحقيقي هو السبيل المُوصلة إلى محبة رسول الله صلى الله عليه وسلم
أما وقد عرفنا هذه النقطة الهامة وهذا المبدأ الأساسي فلا بدَّ لنا من أن نجيب على السؤال الآتي وهو قول من قال:
ما دام الحب الحقيقي لرسول الله لا يتولَّد في أنفسنا إلا إذا اتَّصفت بصفةٍ من صفات الكمال، فما هي الطريق التي نسلكها حتى نحصل على إحدى هذه الصفات الكاملة أو عدد منها؟.
وفي الجواب عن هذا نقول:
أصل الكمال ومصدره الأساسي هو الله سبحانه وتعالى. وما من صفةٍ عاليةٍ انطبعت في نفس أو حلَّت بها إلاَّ وهي من ذلك الأصل والمصدر العالي، فإذا أنت أقبلت على الله تعالى بكلِّيتك واتَّجهت إليه بقلبك وتوثَّقت هذه الصلة المعنوية بين النفس وبين خالقها فهنالك ينطبع في نفسك شيء من الكمال وتصطبغ به.
{صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً} سورة البقرة :الآية (138).
وتتساءل كيف تحصل هذه الوجهة إلى الله تعالى؟. وكيف تتم؟. وهل باستطاعة الإنسان متى شاء أن يتّجه ويُقبل؟. فأقول:
إن هذه الوجهة إلى الله تعالى وهذا الإقبال عليه لا يكون ولا يتم إلاَّ إذا كانت هذه النفس واثقة من إحسانها مطمئنة إلى أنَّ الله راضٍ عنها بعملها، هذه حقيقة ثابتة وقانون من قوانين النفس لا يتغير ولا يتبدَّل وما دام الإنسان لا يجد هذه الثقة ولا يشعر بهذه الطمأنينة فليس بمستطيع أن يلتفت إلى خالقه أو يقبل عليه مهما حاول وأراد.
أرأيت إلى الإنسان ذاته يقف للصلاة أحياناً بين يدي ربّه فلا يجد لصلاته حلاوة ولا يشعر فيها بصلة ولا يرى فيها إقبالاً، ويقف أحياناً أخرى فما أن يكبِّر تكبيرة الإحرام حتى تسري نفسه عارجةً في معارج القدس بأسرع من لمح البصر حتى إنه قد يشعر بهذه الصلة قبل الصلاة وبعدها وتصل به هذه الصلة في حال الصلاة إلى أعلى درجاتها. ويتساءل هذا الإنسان باحثاً عن السبب، فإذا هو في حاله الأول حال انقطاعه عن تلك الصلة قد بدرت منه بادرة سوء أو صدرت منه هفوة لم يكن راضياً عن نفسه فيها، وعلى الرغم من كون ذلك قد صدر منه عن غير قصد وسوء نية، لكن خجله من عمله هو الذي حال بينه وبين الوجهة إلى ربِّه فشلَّ قوة هذه النفس وحجبها عن خالقها فإذا هي في جفاء البعد، وإذا هي في حالٍ من عدم الإقبال لا ينفك عنها ما دامت خجلى من عملها إلا أن تخرج من هذا الحال بعمل طيب تقوم به وفي الحديث الشريف:
«وأَتْبِع السيئة الحسنة تمحها» رواه الترمذي في سننه في كتاب البحر (55).
وإذا هو في حاله الثاني حال الإقبال على الله قد أدَّى خدمة طيبة أو قام بعمل صالح فإذا للنفس من ثقتها برضاء الله عنها ما جعلها في قرب وصلة وإقبال.
وتسألني عن السبيل الذي يدفع بالإنسان إلى العمل الصالح ويحجزه عن الوقوع في السيئات فأقول:
لقد قرن القرآن الكريم العمل الصالح في مواضع شتى وفي عدد كبير من الآيات بالإيمان لنعلم أن الإيمان هو سبيل الصالح من الأعمال وهو السبيل والسبب الوحيد لاجتناب السيئات. فليس يصلح عمل الإنسان وهو لا يستطيع اجتناب السيئات إلاَّ إذا وصل إلى الإيمان.
وهكذا فالإيمان الحقيقي هو النقطة الأولى التي يكون منها الانطلاق وهو وحده الموصل إلى الاستقامة والبعد عن الوقوع في المعاصي والموبقات، وبالتالي هو الآخذ بيد هذه النفس إلى الصلاة الحقيقية المنطوية على الصلة بالله تعالى، حيث تستقي النفس الكمال وتصطبغ به وتتحلّى بكريم الصفات وهنالك تجدها تحبّ الرسول وترافقه بلا انقطاع.
ولعلك تقول:
ذكرتَ من قبل أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لم تسمُ نفوسهم ذلك السمو العالي، ولم تبلغ منازل الكمال الرفيعة إلا بسبب حبّهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما أردتَ بيان الطريق إلى محبة الرسول صلى الله عليه وسلم قلتَ:
لا يستطيع الإنسان أن يحب رسول الله حبّاً حقيقاً إلاَّ إذا كانت نفسه متحلّية بنصيب من صفات الكمال ؛ فهل الكمال النفسي يا ترى هو الذي يصل بالإنسان إلى محبة رسول الله، أم أن محبة رسول الله هي التي تسمو بالنفس إلى منبع الكمال؟.
وفي الجواب عن هذا نقول:
إذا كان القارئ يظن أن بين القولين اختلافاً وتناقضاً فليس بينهما شيء من ذلك أصلاً، فأنت لا تستطيع أن تحب رسول الله حسبما كنا بيَّناه وفصَّلناه إلا إذا استقيت من الله تعالى بصلاتك المبنية على استقامتك وإيمانك طرفاً من صفة من صفات الكمال، فإذا أنت وصلت إلى محبته صلى الله عليه وسلم واستغرقت نفسك في هذه المحبة فعندئذ تتدرج في الكمال إلى أسمى المنازل وتبلغ فيه أعلى المراتب، إذ تدخل بصحبته صلى الله عليه وسلم فتشرب من ذلك المنبع العالي والبحر اللامتناهي، تعالى الله عن كل مثال، شرباً متواصلاً وتسمو نفسك سمواً كبيراً وتصل إلى حال ما كنت لتصل إليه في يوم من الأيام أو تصبح من أولئك الرجال لولا توسُّلك بمحبته صلى الله عليه وسلم واستشفاعك به إلى الله تعالى.
تلك هي ثمرة محبة رسول الله صلى الله عليه وسلم وذلك بعض ما نفهمه من حثِّ الله تعالى إيَّانا على محبة رسوله الكريم وَأَمْرِنا في مُحكم كتابه بالصلاة عليه، وما هذه الصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا صلة النفوس المؤمنة به لتدخل بمعيته على الله فتستقي منه تعالى كمالاً وترتقي في هذا الكمال من حال إلى حال أعلى، رقياً لا يتناهى.
مما كتبه الشيخ أمين شيخو
| < السابق | التالي > |
|---|






![]() | اليوم | 145 |
![]() | أمس | 178 |
![]() | هذا الأسبوع | 667 |
![]() | الأسبوع الماضي | 1202 |
![]() | هذا الشهر | 1364 |
![]() | الشهر الماضي | 4752 |





