المعنى المقصود من أول ركن في الإسلام
نعم أنت يا أخي وأنت يا أختي إن أمك أو أباك أو زوجك والولد وكذا الغالين والعزيزين علينا لو سألنا أحد عنهم وقلنا لاندري...، تصور أحدا لايعرف أباه أو أمه، ما يقال له؟ أمجنون هو أم أهبل ... فكيف إذا كان هذا الذي نُسْأَل عنه هو من يثبت معنا ويدافع ويناضح عنا إذا تخلى عنا الأب والإبن وحتى الأم وقد غلبت رحمته وحبه كل قريب، ولم يتخلى عنا قط. !!!!!!!!
ماذا ستقول؟ لاتعرف أباك ولم تتعرف عليه في خلال عمرك الطويل كله؟..
إن هذا الحديث هنا ليس ثقافة تحفظها بل هو مشاعر قلبية تكون لديك إذا حاولت التعرف على هذا الحبيب صلى الله عليه وسلم. وهذا ماكان لدى "السلف" والصحابة رضي الله عنهم. بل وكل مؤمن. (لايؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده ونفسه والناس أجمعين)
كلمة "أشهد" لها مغزى خفى عميق:
فالشهادة والشهود والإشهاد معناه فى اللغة العربية (رؤية العين)، فالشاهد من رأى بعينه وثبتت الرؤية بعقله وقلبه، ورؤيا العين هى أعلى درجات اليقين، لذلك تسمى (عين اليقين)، فهى لا تقبل شَكاً ولا نِقاشاً ولا جدلاً ولا حتى مجرد ظن، لذلك فإن من ينطق بالشهادتين بعد أن رأى حقا بالبصر والبصيرة والتفكر والتدبر فى ملكوت السماوات والأرض ألا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، فقد صدق وكان مع الذين يقول اللَّه عنهم فى سورة آل عمران-18: (شَهِدَ اللّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلاَئِكَةُ وَأُوْلُواْ الْعِلْمِ قَآئِمَاً بِالْقِسْطِ) أما من قالها ونطق بها دون أن تجاوز لسانه، ولم يشهد أويشاهد أو يرى من معناها شيئا، فإنه ولا شك يكون "شاهد زور"، وحسابه على الله، وشهادة الزور أقرب الأعمال إلى الكفر، لذلك يقول تعالى: (فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ حُنَفَاء لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ) (الحج -30و31)
صحيح أنَّ من نطق بالشهادتين بلسانه وجب علينا أن نعدَّهُ من المسلمين، لأننا أُمرنا أن نحكم على الناس بالظاهر، ولقد كان فى عهد الرسول منافقون يشهدون بألسنتهم ولا يؤمنون بقلوبهم، ولقد خاطب الله سبحانه وتعالى رسوله بقوله فى سورة التوبة: (وَلاَ تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَدًا وَلاَ تَقُمْ عَلَىَ قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُواْ بِاللّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُواْ وَهُمْ فَاسِقُونَ) وذلك رغم نطقهم بالشهادتين، فالشهادة بالقلب هى الأهم والأعظم من شهادة اللسان.
المعنى المقصود من شهادة أن محمداً رسول الله :
الإيمان بأن محمداً رسول الله هو اعتراف ضمنى بكل تعاليم الرسول صلى الله عليه وسلم ، واتباع سنته والتزام أدابه. والرسول صلى الله عليه وسلم وإن كان من البشر، بل هو سيد البشر فإن الله قد اصطفاه وطهره، واختاره وعلمه وأدبه، وقال له: (وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ ) (القلم-4) وإن كان الله تعالى قد اصطفى رسله من الخلق، فقال سبحانه فى ( آل عمران – 33 ) : (إِنَّ اللّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ) فإنّه جلّ شأنه قد اصطفى محمداً من الأصفياء، وأعلا شأنه فوق الأنبياء، وجعله إمامهم وقدوتهم فى الدنيا والأخرة، وافهم من قوله تعالى فى سورة النساء: ( وَكَانَ فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا) أنه لم ينل أحد من خلق الله كلهم أكبر من هذا الفضل وإلا كان فضله تعالى على محمد صلى الله عليه وسلم ناقصاً وليس بعظيم .. فإن قال تعالى لموسى عليه السلام (طه-39) : (وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي) فقد قال لمحمد صلى الله عليه وسلم (الطور-48) : (وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا) وإن نبع الماء من الصخر لموسى عليه السلام، فقد نبع الماء من بين أصابع سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم فروى الجيش وسقاه .. وإن أحيا الله الموتى لعيسى، فقد كلمت الشاة المسمومة المطهية رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإن كلم سليمان الحيوان والطير فقد كلم محمدصلى الله عليه وسلم الجمل والضب والغزالة، وبكى جذع الشجرة لفراقه فى المسجد، ورد صلى الله عليه وسلم عين سيدنا قتادة إلى مكانها بعد أن سالت على خده فكانت أحسن عينيه .. ونُصِرَ بالرعب مسيرة شهر، وسخر الله له الريح .. وآمنت به الجن .. وأُوتِىَ من الجمال فوق جمال يوسف، ولكنّه كلِّلَ بالجلال فلم يُفْتَنْ أحدٌ به .. وأوتى من الحكمة فوق حكمة لقمان (الأحزاب-34): (وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ) ثم كان القرآن العظيم أكبر آية وخير معجزة له صلى الله عليه وسلم.
وقرن الله تعالى أسم رسوله باسمه فى الشهادتين تعظيماً وتشريفاً لقدره العظيم، وقال فى (الأحزاب-56): (إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا)
و يقول الرسول : "من صلى علي مرة صلى الله عليه عشراً " والله سبحانه وتعالى يقول: (قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ) (آل عمران-31) ويقول: (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ) (الأحزاب-21) ويقول : (النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ) (الأحزاب-6)، وقال صلى الله عليه وسلم : "إنما أنا رحمة مهداة ". فتعظيم الله لنبيه لا يخفى على أحد، وإكرامه له فى حياته وبعد انتقاله إلى الرفيق الأعلى ويوم القيامة معروف بما تواترت به الاحاديث، وذكر فى القرآن الكريم.
والرسول صلى الله عليه وسلم تعرض عليه أعمال أمته، فإن وجد خيراً حمد الله، وإن وجد غير ذلك استفغر لهم الله، وهو المشفَّعُ فيهم يوم القيامة، تعظيماً لقدره الرفيع. فمن عرف قدر الرسولصلى الله عليه وسلم وعظمته ورحمته ورأفته بالمؤمنين كان حقاً عليه أن يتبعه فى كل أمر وفعل وخلق وأدب له صلى الله عليه وسلم .
ولا يحسبن مسلم أنه بصلاته على الرسول يرفعه صلى الله عليه وسلم درجة، فإنه عليه الصلاة والسلام قد رفعه الله إلى أعلى الدرجات، وآتاه من الفضل ما لا مزيد عليه. ولكن للصلاة عليه فائدة أجل وأعظم وأعمق معنى، ذلك أنها تعود على قائلها بالخير، فكأن المصلى على الرسول يطلب الرفعةوالتشريف لنفسه أيضاً، وأكثر من هذا شرفاً وتعظيماً أن يدخل المصلى على الرسول فى حضرة الله والملائكة الذين يصلون عليه، وأكرم بها من درجة رفيعة. ويقول رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أَوَلى النَّاسِ بِي يَومَ القَيَامَةِ أَكْثَرُهُمْ عَليَّ صَلاةً"، أو كما قال صلى الله عليه وسلم.
والرسول صلى الله عليه وسلم هو المسلم الكامل، والعبد الخالص لله جل شأنه، فمن أراد أن يتعلم فليتعلم منه ومن أقواله وأفعاله وأدابه، ويجب على المسلم أن يعلمَ أن الأنبياء معصومون من الخطأ، والرسول صلى الله عليه وسلم إمامهم وهو الأولى بالعصمة، وهو ما ينطق عن الهوى، لذلك يجب الاحتراس عند دراسة سيرته، فإذا وجد القارئ عملا أو قولا لم يستطع أن يفهمه فعليه أن يرُدَّهُ إلى ضيق أفقه هو، وقصوره عن فهم المعنى المقصود والحكمة الإلهية وراء ذلك.
وبقول المسلم أشهد أن محمداً رسول الله، أصبح لزاماً عليه أن يدرس تعاليمه وتوجيهاته ليقتدى به.
ولقد قال صلى الله عليه وسلم: " لن يكمل إيمان أحدكم حتى يكون الله ورسوله أحب إليه من نفسه التى بين جنبيه"، فحب الله ورسوله أولى من كل حب، والحب معناه الطاعة والتعلق والتشبه بمن يحب، فمن زعم أنَّه يحب الرسول دون أن يقتدى به فليس من الصواب فى شيئ.
وقد تجاوز حب صحابة رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم لرسولهم حد اتباعه فى العبادات إلى اقتفاء أثره فى العادات، وذلك من فرط حبهم له واتباعهم لسيرته صلى الله عليه وسلم، فطوبى لهم، ثم طوبى لهم. لذلك يقول الرسول عليه الصلاة والسلام أن من ترك سنته فقد حرم شفاعته يوم القيامة. فشهادة أن محمداً رسول الله معناها التعظيم والحب له واتباعهُ فيما كان يفعل.] إنتهى
منقول من كتاب أركان الإسلام للعارف بالله الشيخ صلاح الدين القوصي
| < السابق |
|---|






![]() | اليوم | 236 |
![]() | أمس | 235 |
![]() | هذا الأسبوع | 624 |
![]() | الأسبوع الماضي | 1332 |
![]() | هذا الشهر | 4304 |
![]() | الشهر الماضي | 4877 |





