اللامذهبية قنطرة اللادينية
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي هدى هذه الأمة بالقرآن، وجعله للتمييز بين الحق والباطل أفضل ميزان، والصلاة والسلام على من اصطفاه الله تعالى لوحيه، ووكل إليه التفسير والبيان، وعلى آله وصحبه الذين بلغوه إلى العالمين، وشادوا للدين أعظم البنيان، ومن تبعهم إلى يوم القيامة بإحسان.
السلف الصالح وخصوصيتهم:
وقد خص الله تعالى هؤلاء الأصحاب وتابعيهم وتابعي تابعيهم بالشهادة على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم أنهم خير القرون من خير أمة أخرجت للناس ـ لذلك اصطلح المسلمون على أن يسموهم السلف الصالح(1 ) ، فما جاء عنهم من علم وعمل فهو خير أساس، وما خالف نهجهم فهو أوهام، وثمرات وسواس، وقد كان أئمة الفقه الأربعة: أبو حنيفة، ومالك، والشافعي، وأحمد ـ رضي الله عنهم ـ من خيرة العلماء في آخر تلك القرون، بل كانوا في ذلك القرن المبارك أئمة للعلماء العاملين، وقدوة للصالحين، ورثوا علم التابعين، وورث التابعون علم الصحابة، وورث الصحابة علم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنعم المورث، ونعم الوارث، يكفيهم شهادة حقٍ قولُ رسول الله صلى الله عليه وسلم: ”خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم“؛ ولأجل هذه الخصوصية اتخذهم الناس في سائر القرون أئمة في دينهم، وتدارسوا ما جاء عنهم من علوم الدين، فنظموه ورتبوه ، وفصلوا قواعده وفروعه، وأقاموا أساسه وأصوله، وبينوا ما اجتمعوا عليه، وما اختلفوا فيه تبعاً لاختيارهم مما اختلف فيه الصحابة والتابعون، أو وُجِدَ من المسائل في عصرهم، وبينوا نهج كل إمام فيما اختار من الأحكام والأدلة، وما يتميز به عن إخوانه من أولئك الأئمة، وسموا نهج كل منهم مذهباً، وتبعتهم الأمة، واختار كل واحد منها، أو كل جماعة اتباع من رأوه ـ بحسب اختلاف التقدير والاختيار ـ أولى وأفضل، أو بحسب ما تيسر لهم تعلمه من هذه المذاهب، مع حسن الظن بالأئمة الآخرين،
قال ابن تيمية: ”فهذه المسائل التي تنازع فيها السلف والأئمة، فكل منهم أقر الآخر على اجتهاده... فمن ترجح عنده تقليد الشافعي لم ينكر على من ترجح عنده تقليد مالك، ومن ترجح عنده تقليد أحمد لم ينكر على من ترجح عنده تقليد الشافعي، ونحو ذلك(2 ) .
وقد كان هذا حالهم مع وجود نزر يسير من الجهال، أو العلماء ـ الذين لم يزكوا نفوسهم من العصبية ـ ينظرون إلى غير مذهبهم نظرة استصغار، ويجادلونهم جدال من لا يهمه الحق، ولكن يهمه الظهور والانتصار، وكان العلماء الأتقياء والمخلصون الصلحاء ـ من كل مذهب ـ يجتهدون في ردع المتعصبين، ويكفونهم عن التفرقة بين المسلمين.
ظهور اللامذهبية:
وظل الأمر على ذلك طول تاريخ الأمة الإسلامية إلى أن صرنا في آخر الزمن، فإذا فئة من المسلمين تتهم أكثرية الأمة الإسلامية بأنها خرجت ـ باتباعها هذه المذاهب الأربعة ـ عن طريق السلف الصالح أهل القرون الثلاثة، كأن أحكام الشريعة التي ورثها الأئمة الأربعة عن الصحابة والتابعين ـ ونظمها تلاميذ الأئمة الأربعة حسب منهاج كل منهم في الترجيح ـ شيء آخر غير ما ذهب إليه أولئك السلف الصالحون، وإذا هتاف شديد يرفعه اللامذهبيون: اتركوا المذاهب الأربعة واتبعوا مذهب السلف، فإن ترك مذهب السلف بدعة ضلالة.
هل يأذن اللامذهبيون أن نقول لهم: على رسلكم: إن أصحاب المذاهب الأربعة: مالكاً وأبا حنيفة والشافعي وأحمد( 3) هم من السلف الصالح، أهل القرون الثلاثة، التي أثنى عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم، حين سئل أي الناس خير؟ فقال: (قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم ( 4).
ولكن اللامذهبيين لا يرضون هذا الجواب، فيقولون: ليس اتباع السلف هو اتباع واحد منهم، بل هو اتباع جميع السلف.
ما أجمع عليه السلف:
فليأذن لنا اللامذهبيون أن نقول لهم: إن كنتم تدعوننا إلى اتباع ما اتفق عليه السلف فهذا قد اتفق عليه جميع أهل السنة، وهو موجود في كل واحد من المذاهب الأربعة لا يتركونه، واتباع مذهب منها يكون في ضمنه اتباع ما اتفق عليه السلف.
لكن بعض اللامذهبين ينكرون علينا هذا القول، ويقولون: قد خالفتم السلف فيما أجمعوا عليه، فأنتم تصلّون عند القبور خلافاً لهم، وتدعون عندها، وتتوسلون بأصحابها، وتقرؤون القرآن لأصحابها.
والجواب على ذلك: أن دعوى الإجماع هنا زعم لا مستند له، ويتضح ذلك من موقف بعض أئمة السلف في المسائل المذكورة:
1ـ الصلاة عند القبور: قال عنها الإمام مالك في مدونته (1/90): ”لا بأس بالصلاة في المقابر“ وهو من كبار أئمة السلف، وروى مسلم برقم (2493) عن عائشة&: ”أنها كانت تصلي في حجرتها“ وفيها ثلاثة قبور، وقال ابن تيمية في الفتاوى (21/304): ”المقبرة وأعطان الإبل تصح الصلاة فيهما على القول الصحيح“، فأين الإجماع؟!
2ـ الدعاء عند القبور سنة نبوية، كما روى مسلم عن بريدة برقم (975) وفيه: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعلمهم أن يقولوا إذا خرجوا إلى المقابر: (أسأل الله لنا ولكم العافية) وهو دعاء الزائر لنفسه ولغيره وللأموات، ونقل ابن تيمية في كتابه ”الرد على الإخنائي“ ص (405) دعاءً مطولاً في زيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم، وفي جملة هذا الدعاء يقول ص(536) من الرد: ”وسل الله حاجتك متوسلاً إليه بنبيه تقض من الله عز وجل“ فأين الإجماع؟!
3 ـ وأما قراءة القرآن: فقال ابن تيمية في الفتاوى (24/315): ”وأما الصيام عنه، وصلاة التطوع عنه، وقراءة القرآن عنه، فهذا فيه قولان للعلماء: أحدهما: أنه ينتفع به، وهو مذهب أحمد وأبي حنيفة وغيرهما، وبعض أصحاب الشافعي وغيرهم“، وقال في (24/366): ”تنازعوا في وصول الأعمال البدنية كالصوم والصلاة والقراءة، والصواب أن الجميع يصل إليه“ فأين الإجماع؟!
ما اختلف فيه السلف:
فهذا الذي اختلف فيه السلف، أو لم يتكلم فيه بعض السلف كيف يمكن اتباع جميعهم فيه؟ فمن اتبع بعضهم ترك بعضهم الآخر؟ ولا يعقل أن يكون أحدهما مذهب السلف دون الآخر، ما دام القولان مما قاله علماء من السلف!! بل الجميع من مذهب السلف.
هل القول الراجح هو مذهب السلف:
يقول اللامذهبيون: انظروا في أدلة المختلفين، واتبعوا الدليل الأقوى. فنقول لهم: فلنفرض أنكم وازنتم بين الأدلة، واستطعتم أن ترجحوا الأقوى، هل الترجيح يعطي صاحبه الحق في تضليل مخالفيه وتبديعهم كما تفعلون؟! وهل يعطيه الحق في أن يحكم على كل الأئمة الذين خالفوه بأنهم فاتهم أن يطلعوا على الدليل، أو فاتهم أن يفقهوه، مع ما عرف عنهم من التبحر في العلم والتقوى، ومع ما نحن عليه من قلة الحظ منهما؟!
ثم لا بد لنا أن نسألهم: هل القول الأقوى دليلاً عند قائله هو مذهب السلف؟ إذا صح هذا فكل صاحب قول يقتنع بدليله أنه الأقوى يستطيع أن يقول: أنا على مذهب السلف، وإذا تعلم أدلة جديدة دفعته إلى الرجوع عن قوله، وترجح ما كان عنده مرجوحاً صار هذا الجديد هو مذهب السلف، والآخر بدعة ضلالة مخالفاً لمذهب السلف!! ويتعدد مذهب السلف حينئذٍ، وكل يدعيه لنفسه، ثم إن ما يقوله أي إنسان بعد السلف ـ مهما كان دليله قوياً ـ في نظره ونظر موافقيه فذلك قوله هو لاقول السلف، ونسبته إليهم باطلة، وتزكية للنفس، والله تعالى يقول: {فَلَا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى}[النجم/32]، وانتقاصاً لمخالفيه، والله تعالى يقول: { ولا تلمزوا أنفسكم }[الحجرات/11 .
وإذا كان مايراه أحدنا أقوى دليلاً هو مذهب السلف، فقد صرنا نحن ميزان علم السلف، وليس علمهم هو الميزان لنا، وهذا عكس المقصود من اتباع السلف.
من الذي يرجح بين الأدلة:
ثم إن الموازنة بين الأدلة واختيار الأقوى أمر يحتاج إلى أهلية خاصة، كما نقل في مسودة آل تيمية ص (515) عن الإمام أحمد في رواية يوسف بن موسى: ”لا يجوز الاختيار إلا لرجل عالم بالكتاب والسنة“ فهل هذا ممكن لكل من يدعيه، وهل العلم بالكتاب والسنة شيء قليل ليحصل بزمن يسير؟ فأقل ما يمكن هو أنه يحتاج إلى معرفة قواعد الحديث في الموازنة بين الرواية الضعيفة والصحيحة، وإلى الموازنة بين الأدلة المختلفة من جهة الإسناد ليقدم الأقوى على الأقل قوة، وإلى الموازنة بين عامها وخاصها، وناسخها ومنسوخها، وكيف يمكن الجمع بينها، أو ترجيح بعضها على بعض، وهذا يحتاج إلى خبرة واسعة في علم الحديث، وإلى علم الناسخ والمنسوخ، وعلم اللغة العربية، وعلم الأصول، وهذا لا يستطيعه أكثر الناس، ومن يستطيعه يحتاج إلى زمن ليتعلمه، والترجيح قبل التعلم أو بدونه إما عدوان على أدلة الشريعة، كما روى الترمذي عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم: (من قال في القرآن بغير علم فليتبوأ مقعده من النار)، وإما تقليد لقول شيوخه، ولا يقدر على ترجيحه، فيزعم الترجيح بدون أهلية، وهي دعوى ينقضها الواقع.
واجب من لم يتأهل للترجيح:
وإذا كان الإنسان قبل الأهلية لا يمكنه أن يتبع الدليل الأقوى فماذا يفعل؟
قال ابن قيم الجوزية عن الأئمة المجتهدين(5 ) : ”في مسائل من العلم لم يظفروا فيها بنص عن الله ورسوله، ولم يجدوا فيها سوى قول من هو أعلم منهم فقلدوه، وهذا فعل أهل العلم، وهو الواجب، فإن التقليد إنما يباح للمضطر“، وقال قبل ذلك: ”وكل من اشتبه عليه شيء وجب أن يكله إلى من هو أعلم منه، فإن تبين له صار عالماً مثله، وإلا وكله إلى عالمه“(6 )، وإذا كان هذا واجب العلماء المجتهدين، فمن لم يحصل العلوم التي يمكنه بها الترجيح أولى بالتقليد؛ لأن مسائل الخلاف كلها تشتبه عليه قبل أن يحصل القدرة على الاختيار، وهي العلم بالكتاب والسنة ـ كما تقدم عن الإمام أحمد بن حنبل ـ وهذا النوع من الناس يعبر عنه العلماء باسم المستفتي، كما نقل في المسودة(7 ) : ”فأما صفة المستفتي فهو العامي الذي ليس معه ما ذكرنا من آلة الاجتهاد“. والعامي ليس هو الأمي، بل هو كما صرح به في المسودة ”من ليس معه آلة الاجتهاد“.
ومن لم يقدر على البحث والنظر في الأدلة والترجيح كيف يستطيع أن يناقش المفتي في الأدلة، ولذا صرح ابن تيمية بمنعه من ذلك فقال في المسودة( 8) : ”لا ينبغي للعامي أن يطالب المفتي بالحجة فيما أفتاه، ولا يقول له: لم، ولا كيف، فإن أحب أن تسكن نفسه بسماع الحجة سأل عنها في مجلس آخر، أو فيه بعد قبول الفتوى مجردة عن الحجة“؛ وذلك لأنه لا يعرف كيف يفقه الحجة، وإذا قال: أنا لا أتبع إلا الحجة من الكتاب والسنة كان متناقضاً، ومخالفاً لنفسه، بل هو تابع لجهله بالكتاب والسنة، مخالف لقوله تعالى: { ولا تقْفُ ما ليس لك به علم }[الإسراء/36.
وبهذا يظهر الفرق بين العالم الذي يجب عليه أن يتبع الدليل، ويختار الدليل الأقوى، وبين غيره ممن يجب عليه التقليد، وبه يعلم أيضاً أن الأئمة ـ الذين أمروا الناس باتباع الدليل، ونهوهم عن التقليد ـ كانوا يخاطبون بذلك العالم بالكتاب والسنة، كما نقل المزني في مقدمة مختصره: أن الشافعي ينهى عن تقليده وتقليد غيره.
وفي هذا التفصيل قال ابن قيم الجوزية(9 ) : ”أما من قلد فيما ينزل به عالماً يتفق له على علمه... فمعذور؛ لأنه قد أدى ما عليه، وأدى ما لزمه فيما نزل به لجهله، ولا بد له من تقليد عالم فيما جهله“، وحينئذ يكون متبعاً للكتاب والسنة بواسطة من قلده، ولا يستطيع غيره، ولا يكلف الله نفساً إلا وسعها.
ثم يقول: ”ولكن من كانت هذه حاله هل يجوز له الفتيا في شرائع دين الله؟ فإن أجاز الفتوى لمن جهل الأصل والمعنى لحفظه الفروع لزمه أن يجيزه للعامة، وكفى بهذا جهلاً ورداً للقرآن“، وبهذين الكلامين، والمقارنة بينهما يظهر أن الدعوة إلى اتباع الدليل موجهة إلى من عنده أهلية الفتوى، أما غيره فلا بد له من تقليد عالم فيما جهله، كما قال الله تعالى: { فسْئلوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون }[النحل/43]، أي يسأل كلٌ عما يجهله، كحافظ السنة الذي لا يفقهها، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (رب حامل فقه ليس بفقيه)، فهذا لا يسألهم عن السنة؛ لأنه يحملها، ولكن يسأل عن فقهها.
يقول اللامذهبيون: إن تقليد العالم واجب على من لم يعرف خطأ العالم، أما من عرفه، وعرف الدليل على خطئه، فكيف يجوز أن يترك الدليل ويقلد بعدما عرف أن العالم الذي كان يقلده مخطئ؟
وجواب هذه الشبهة: أن نسألهم من الذي يستطيع أن يكشف خطأ العالم، ويعرف أن قول غيره هو الصواب؟ أهذا ممكن لكل من قرأ الدليل أو حفظه، أم هو خاص بمن هو أهل لأن يفقهه، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فإن قالوا: خاص بمن له أهلية لأن يفقهه، وهو الذي عنده أهلية الاختيار في مسائل الاختلاف، وليس لمن ليس له الأهلية إلا التقليد. قلنا: هذا حق، ولكن ما يراه الناس منكم: هو أن كلاً منكم حتى الأمي يقول: أنا لا أقلد أحداً، بل أتبع الكتاب والسنة، ولا يكتفي بذلك، بل يتهم كل من خالفه بالبدعة الضلالة، وبالإعراض عن الكتاب والسنة ومذهب السلف.
هل اتباع العلماء للمذاهب عصبية:
يقول اللامذهبيون: نحن لا ننكر هذه الأقوال التي قالها العلماء، ولكن ننكر تعصب العلماء الذين يستطيعون اتباع الدليل الأقوى، ثم يتركون ذلك ويتبعون المذهب الذي نشؤوا عليه، وننكر تعصب غير العالم حين يلتزم مذهب عالم واحد طول حياته، وكلاهما بدعة لم تكن على عهد السلف الصالح.
وجواب هذه الشبهة يسير: فالعالم الذي يستطيع الترجيح لا بد أن يكون عالماً بالكتاب والسنة، كما قال الإمام أحمد، وهذا أمر كبير ترونه أنتم هيناً يسيراً، ويرونه هم أمراً كبيراً، لا يطيقه إلا أولو العزم من العلماء، والتزامهم بمذهب أحد الأئمة ليس عصبية، ولكنه خشية من أن يقولوا في دين الله بلا تثبت، وذلك تقدير لمسؤولية العلم بالكتاب والسنة، وفقه الكتاب والسنة، وأنتم في الواقع حتى العلماء منكم ملتزمون بما يقوله جماعة من العلماء، هم أهل مذهبكم، لا تخرجون عن ذلك، فلم كان التزامكم حقاً، وكان التزامهم عصبية؟! فأنتم تزعمون أن فهم علمائكم للكتاب والسنة هو الكتاب والسنة نفسهما، وأن فهم العلماء الآخرين ـ وإن كانوا من الأئمة الأربعة ـ شيء آخر غير الكتاب والسنة، ومخالفكم يمكن أن يدعي ذلك، ولكن هذا تزوير في الموازنة يؤدي ـ إذا سمعه من لا يتفهم الأمور حقيقة الفهم ـ أن ينحاز إلى فهم علمائكم، ويتخذه مذهباً، فهذه دعاية كالدعايات السياسية والتجارية والعصبية، ثم تزعمون أن كل ما أنتم عليه هو الحق، وما سواه ضلال وبدعة وخروج عن مذهب السلف، وهو لا يخالف إلا فهمكم وفهم علمائكم، وتزعمون أنه لا يتخلص أحد من العصبية إلا أن يوافقكم على أقوال علمائكم وشيوخكم، فحينئذٍ فقط يكون متبعاً للكتاب والسنة ومذهب السلف!! فأنتم ميزان العلم والسلف، وأنتم الحكم في اختلافهم، ولكم وحدكم حق تضليل الآخرين، دون أن تسمحوا لأتباعكم بالاطلاع على أدلة أقوال الآخرين؛ لأنها عندكم بدعة، ولأن النظر في كتب البدع محرم، ويجب مقاطعتها ومقاطعة أهلها والبراءة منهم، أليست عصبيتكم أشد؛ لأن ما هم عليه لا تضليل فيه للآخرين، ولا تبديع لمخالفهم.
فلنفرض أنكم فيما قلدتم وافقتم الصواب، وإن كان هذا لا يعلمه إلا الله، ولا يعلمه الناس حتى المجتهد في اتباع الدليل، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم(10 ) في وصيته لبعض قادة جيشه: (وإذا حاصرت أهل حصن فأرادوك على أن تنزلهم على حكم الله، فلا تنزلهم على حكم الله، ولكن أنزلهم على حكمك، فإنك لا تدري أتصيب حكم الله فيهم أم لا)، فهل من حقكم أن تحتكروا الصواب لأنفسكم، وما الفرق بينكم وبين المقلدين الآخرين؟
فالفرق بينكم وبينهم أنهم يعترفون بالتقليد وأنكم تسمون تقليدكم اتباعاً للدليل؛ لأنكم تظنون أنه بمجرد أن تطلعوا على أدلة علمائكم وترجيحهم لها تكونون مرجحين متبعين للدليل، لا مقلدين لهم.
قراءة الأدلة دون أهلية:
و الأحاديث دلت على أن الاطلاع والقراءة ليسا هما فقه الكتاب والسنة، فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم عمن يحفظ الحديث وليس لديه أهلية فقه الحديث: (رب حامل فقه ليس بفقيه) فهو يصرح بأنه ليس كل من حمل الحديث يصير فقيهاً فيه، أي ليس كل محدث فقيهاً، وأولى من حامل الحديث بهذا من قرأه ولم يحفظه، وهذا واضح في كلام الإمام أحمد.
ففي المسودة(11 ) : نقل عن عبد الله بن الإمام أحمد عن أبيه، أنه قال: ”سألت أبي عن الرجل تكون عنده الكتب المصنفة فيها قول رسول الله صلى الله عليه وسلم واختلاف الصحابة والتابعين، وليس للرجل بصر بالحديث الضعيف والمتروك، ولا الإسناد القوي من الضعيف، فيجوز أن يعمل بما يشاء، ويتخير ما أحب منها، فيفتي به ويعمل به؟ قال: لا يعمل به حتى يسأل ما يؤخذ به منها، فيكون يعمل على أمر صحيح، يسأل عن ذلك أهل العلم“، فهذا حكم من قرأ الكتب، لا يعمل حتى يسأل أهل العلم عن القوي والضعيف، ويظل يسأل حتى يكون عالماً بالكتاب والسنة، قادراً على فقههما بنفسه، فإن زعم قبل ذلك أنه يتبع الدليل فهو عامل بجهله في الكتاب والسنة، وقد سبق ذكر حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم القائل: (من قال في القرآن بغير علم فليتبوأ مقعده من النار.
هل يجب عدم الالتزام بمذهب:
أما القول فيمن يسألهم: فلم يأت في القرآن والسنة أن يسأل واحداً أو أكثر، أو أن يسأل في كل مرة عالماً، غير الذي سأله أول مرة؛ لأن الله تعالى قال: { فسْئلوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون }[النحل/43]، واللامذهبيون يزعمون أنه لا يجوز التزام قول عالم واحد؛ لأنه التزام بقول غير معصوم، فهل إذا سأل عالماً آخر في الخلافيات يكون عاملاً بقول معصوم، مهما كثر الذين يسألهم؟! وهم يزعمون هذا دون أن يقدموا دليلاً، أو نقلاً عن أحد من أئمة السلف: أن هذا لا يجوز، فكيف يكون هذا هو مذهب السلف وقد قال عن عبد الرحمن بن القاسم تلميذ مالك ـ وهما من السلف ـ إنه لم يكن يسأل غير مالك؟! إنما هو قولهم هم، أحدثوه في آخر الأزمان، وإذا سأل واحداً من علمائهم رضوا عنه، مهما لازمه من السنين، كما هم يفعلون، فهل هذا التزام بقول المعصوم؟! أم أن هذا خصوصية لهم؛ لأن ما يفهمونه من السنة هو السنة نفسها، وما يفهمه مخالفهم من الأئمة وأتباعهم شيء آخر غير الكتاب والسنة، بل مخالف لهما؟!
هل الخلاف المذهبي يفرق الأمة؟
هنا يقول لنا اللامذهبيون: إن الخلافات المذهبية جعلت هذه الأمة أحزاباً، والله تعالى يقول: {إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعاً لست منهم في شيء}[الأنعام/159]، ويقول: { ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينت وأولئك لهم عذاب عظيم }[آل عمران/105]، فترك المذاهب واجب حفاظاً على وحدة الأمة، وهذه المذاهب فرضتها السياسات الغاشمة، كل ملك يفرض على الناس مذهباً، حتى فرقوا الناس هذا التفرق الكبير.
ونقدم المعذرة إلى اللامذهبين عن قبول هذه المغالطة، فهاتان الآيتان وضعوهما في غير الموضع الذي أنزلتا فيه، فهاتان الآيتان في تفريق الدين، والاختلاف عليه بعد مجيء البينات، التي تقطع الخلاف، كما صرحت الآية الكريمة، وهذا شيء آخر غير الخلاف الاجتهادي، والدليل على ذلك أمران:
أولهما : أن الخلافات الاجتهادية كانت موجودة في القرون الثلاثة، التي قال فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم: (خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم)، فمن دعا الأمة إلى أن تكون كلها على القول الذي ترجح عنده، وزعم أن ذلك مذهب السلف، فهو مناقض لما كانوا عليه.
فصاحب هذه الدعوة يريد أن يحقق للأمة الوحدة في الخلافات الفقهية، ويحقق لهم ما عجز عنه السلف، ولم يهتموا به، ولم يسعوا إليه، وإذا كان السلف مع تمام علمهم وتقواهم قد اختلفوا في هذه المسائل، فهل يمكننا أن نتفق مع نقص العلم والتقوى، أم أن اختلافنا سيكون أشد؟ ترى أهذه دعوة تؤدي إلى الوحدة، أم إلى تمزيق الأمة وصراعها، لدرجة إراقة الدماء، كما هو واقع ومشاهد من آثار هذه الدعوة؟!
ثانيهما : أن ابن تيمية سئل عن صلاة أهل المذاهب الأربعة خلف بعضهم؟ فقال في الفتاوى (23/374): ”نعم تجوز صلاة بعضهم خلف بعض، كما كان الصحابة، والتابعون لهم بإحسان، ومن بعدهم من الأئمة الأربعة يصلي بعضهم خلف بعض، مع تنازعهم في هذه المسائل المذكورة وغيرها، ولم يقل أحد من السلف إنه لا يصلي بعضهم خلف بعض، ومن أنكر ذلك فهو مبتدع ضال، مخالف للكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة وأئمتها، وقد كان الصحابة والتابعون ومن بعدهم منهم من يقرأ البسملة، ومنهم من لا يقرؤها... ومنهم من يقنت في الفجر، ومنهم من لا يقنت، ومنهم من يتوضأ من الحجامة والرعاف والقيء، ومنهم من لا يتوضأ، ومنهم من يتوضأ من مس الذكر ومس النساء بشهوة، ومنهم من لا يتوضأ... ومع هذا فكان بعضهم يصلي خلف بعض“، ثم قال ص (377): ”وقول القائل: إن المأموم يعتقد بطلان صلاة الإمام خطأ منه، فإن المأموم يعتقد أن الإمام فعل ما وجب عليه، وأن الله قد غفر له ما أخطأ فيه، وأن لا تبطل صلاته لأجل ذلك“، فمن زعم أنها بدعة فقد رد على قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر)، والله لا يأجر على البدعة، بل هي في النار، وصاحبها له عذاب عظيم، كما قال الله تعالى في الآية السابقة: { لهم عذاب عظيم }، فالآيتان في الخلاف المعاند للبينات، لا في الخلاف الناشيء عما يشتبه من الأحاديث والآيات، وكيفية فقهه، والفرق بين الأمرين عظيم جداً لا تقارب فيه، وبهذا يظهر أن الصلاة خلف المتوسلين برسول الله صلى الله عليه وسلم بعد موته صحيحة؛ لأنهم اتبعوا في هذه المسألة إمام هدى، هو أحمد بن حنبل رحمه الله، سواء أخطأ في اجتهاده أو أصاب، والقائل بأن الصلاة خلفهم لا تصح مخالف لأئمة الهدى.
أما مسألة أن هذه المذاهب فرضتها السياسات الغاشمة: فالمذاهب كلٌ منها انتشر حيث وجد العلماء الذين يعلمونه للناس، ولكن أخبرونا كيف نشرتم اللامذهبية؟ ألم تفرضوها في كل موضع لكم فيه سلطة، فتمنعون العلماء الآخرين أن يعلموا الناس ما عندهم، وتفرضون علماءكم على الناس، وتؤذون العلماء الذين ليسوا على منهجكم، وتبعدونهم عن كل بلد لكم فيه سلطة، فأنتم تتهمون الناس بما هم برآء منه وبما أنتم واقعون فيه.
ما هو مذهب أهل الحديث؟
وكثيراً ما يقول اللامذهبيون: لماذا تتركون مذهب أهل الحديث، وتتبعون مذاهب الفقهاء، فأهل الفقه كل واحد منهم يتعصب لمذهبه، وأهل الحديث لا يتعصبون إلا لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم؟!
والجواب: أن هذه مغالطة، فإن الأئمة الأربعة كانوا من علماء الحديث، والمحدثون أكثرهم تابع لمذهب واحد من الأربعة، فالإمام مالك كان في عصره إمام أهل الحديث، وكذلك الإمام أحمد، والشافعي مع أنه لم يكن مثلهما في الحديث، لكن كان من كبار أهل الحديث، حتى سمي ناصر السنة، ولا يمكنه أن ينصر السنة دون علم واسع بها، ولو لم يكن حصّل من الحديث ـ إلا أنه لازم فترة طويلة كلاً من الإمامين مالك وسفيان بن عيينة، يأخذ عنهما ـ لكان عنده حديث كثير جداً، وأما الإمام أبو حنيفة فيكفيه عملاً بالحديث ما بينه الإمام المحدث الطحاوي من موافقته للأحاديث في كل فقهه، وأما شهرته بالرأي فلأمرين: أولهما: كثرة تدقيقه وتعمقه في فهم السنة والقياس عليها. وثانيهما: كثرة اعتماده على فقه سيدنا عبد الله بن مسعود ومنهجه، حيث كان ابن مسعود يتجنب الرواية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مهما أمكنه؛ خوفاً من الخطأ في الرواية، فالناس يستطيعون أن يردوا عليه في الفقه إذا أخطأ، ولكن إذا أخطأ في الرواية عن النبي صلى الله عليه وسلم يتناقل ذلك الناس، ويستمر الخطأ، وقد بين العلماء تفصيل موقف الإمام أبي حنيفة في كتب خاصة، من تأملها عرف حرصه على اتباع الأحاديث النبوية، وقد اشتهر عنه أنه يرجح العمل بالحديث الضعيف على القياس، خلافاً لما يشيعه خصومه.
وأما أولئك الذين يهاجمون مذاهب الفقهاء الأربعة، ويزعمون أنهم ينتصرون للحديث الشريف، فقد أظهرت مؤلفاتهم تعصبهم للعلماء الذين يحبونهم، بحيث ضعفوا ما يخالفهم، وإن كان صحيحاً، وصححوه وإن كان ضعيفاً، مع أنهم يزعمون أنهم لا يتعصبون إلا للحديث الشريف، فهي دعوى ينقضها واقعهم.
هل اتباع المذاهب بديل للأدلة؟
بعد هذا كله بقيت أشد التهم التي يرميها اللامذهبيون على سائر أمة الإسلام ـ التي لا تسير على خطاهم، ولا ترضى أن تجعلهم قادتها ـ وهي أنهم يقولون لهم: إن الله تعالى فرض طاعته وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم، وأنتم جعلتم طاعة الأئمة بديلاً عن طاعة الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، ولو كانت طاعة العلماء مقبولة لكان الصحابة أحق بهذا من الأئمة الأربعة وغيرهم من العلماء.
وجواب هذا أن الأئمة الأربعة ليسوا بديلاً عن الله ورسوله، وليست كتبهم مزاحمة لكتاب الله وسنة رسوله، ولكنها شرح لهما، وبيان وعون لمن يريد أن يفقه عن الله ورسوله آيات الكتاب والسنة.
وكذلك ليس الأئمة الأربعة بديلاً عن الصحابة رضي الله عنهم، ولا منازعين مزاحمين لهم، فالصحابة لم يكتبوا كتباً، وما تكلموا من الفقه، إلا في المسائل التي وجدت في زمانهم، ولا تكلم كل منهم في كل المسائل، فمن يريد أن يتبعهم لا يمكنه ذلك إلا إذا جمع كل ما قالوه، وهذا ما فعله الأئمة المجتهدون الأربعة وأمثالهم، فالذي فعله كل منهم هو أنه جمع ما تفرق من فقه الصحابة والتابعين للكتاب والسنة، وعمل بما اتفقوا عليه، ورجح عند اختلافهم ما رآه راجحاً حسب قواعد الرواية وقواعد فقه الكتاب والسنة، التي علمها واختلفوا في الترجيح كما اختلف الصحابة، فهم خدموا علم الصحابة والتابعين، وما فضلت الأمة اتباعهم على غيرهم إلا لخدمتهم الكتاب والسنة وفقه الصحابة رضوان الله عليهم، وأما الإعراض عن فقههم فهو تفريط بعلم الكتاب والسنة، كما يأتي تفصيله في رسالة العلامة الكوثري ـ رحمه الله ـ.
لا ينكر على من اختار إماماً دون الآخرين:
فإن قيل لنا: لماذا اقتصرتم على هؤلاء الأربعة، مع أن أئمة الاجتهاد في عصر السلف كثيرون؟!
فالجواب: أن الأمة فضلت اتباعهم من باب الاختيار فيما تختلف وجهات النظر فيه، ولا يلزم فيه المرء بشيء، ولم يكن ذلك انتقاصاً للأئمة الآخرين، ولكن لأنها رأتهم جمعوا أكثر ما يمكن من فقه الصحابة والتابعين، ووثقوا ما ثبت ، وتركوا ما لم يثبت، وشرحوا ذلك، ووفقوا بين المختلف منه إذا أمكن، واعتمدوا في الترجيح على موازين دقيقة أمنية، ولأنها رأتهم أفضل في العمل والتقوى من معاصريهم، ووجدت أكثر علماء عصرهم وما بعده وافقوهم، ووجدت أن مذاهبهم خدمت كثيراً بالمراجعة والمدارسة، وطول البحث، والنظر فيما هو أنسب لوقائع الحياة، فاختارتهم دون غيرهم، وهذا واقع يعرفه كل العلماء، وإن غاب عن غيرهم، فالذي يريد أن يستغني عنهم يضيع هذا الجهد العلمي الكبير الواسع، الذي جمعه وحققه الأئمة الأربعة، وتبعهم تلاميذهم في دراسته وتنقيحه، هذا إذا كان من أهل العلم.
وأما فتح الباب لأنصاف العلماء وأشباه العلماء، أو عموم الناس أن يتكلموا في الفقه، ويختاروا ما يشاؤون منه، دون أهلية، ودون معرفة بقواعد فهم الأدلة، فهو أمر ينتهي إلى التلاعب بآيات القرآن وأحاديث النبي صلى الله عليه وسلم وضياع الدين كله، والعياذ بالله تعالى. وهذه هي القنطرة التي يُتخذ فيها الهوى ديناً، وتؤدي إلى اللادينية.
والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم.
(ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق وأنت أحكم الحاكمين )
(ربنا آتنا من لدنك رحمة وهيئ لنا من أمرنا رشداً)
بقلم الدكتور محمود الزين
| < السابق | التالي > |
|---|






![]() | اليوم | 242 |
![]() | أمس | 235 |
![]() | هذا الأسبوع | 630 |
![]() | الأسبوع الماضي | 1332 |
![]() | هذا الشهر | 4310 |
![]() | الشهر الماضي | 4877 |





