القوافل الجارية بشرح حديث الجارية2من2
يتبع ماقبله في http://love-mohammad.com/magalat/aqeeda/185-jariah.html
قال القرطبي في تفسيره : قوله تعالى: "أأمنتم من في السماء أن يخسف بكم الأرض" قال ابن عباس: أأمنتم عذاب من في السماء إن عصيتموه. وقيل: تقديره أأمنتم من في السماء قدرته وسلطانه وعرشه ومملكته. وخص السماء وإن عم ملكه تنبيها على أن الإله الذي تنفذ قدرته في السماء لا من يعظمونه في الأرض. وقيل: هو إشارة إلى الملائكة. وقيل: إلى جبريل وهو الملك الموكل بالعذاب.
قلت: ويحتمل أن يكون المعنى: أأمنتم خالق من في السماء أن يخسف بكم الأرض كما خسفها بقارون. "فإذا هي تمور" أي تذهب وتجيء. والمور: الاضطراب بالذهاب والمجيء. قال الشاعر:
رمين فأقصدن القلوب ولن ترى دما مائرا إلا جرى في الحيازم جمع حيزوم وهو وسط الصدر.
وإذا خسف بإنسان دارت به الأرض فهو المور. وقال المحققون: أمنتم من فوق السماء؛ كقول: "فسيحوا في الأرض" [التوبة: 2] أي فوقها لا بالمماسة والتحيز لكن بالقهر والتدبير. وقيل: معناه أمنتم من على السماء؛ كقوله تعالى: "ولأصلبنكم في جذوع النخل" [طه: 71] أي عليها.
ومعناه أنه مدبرها ومالكها؛ كما يقال: فلان على العراق والحجاز؛ أي واليها وأميرها. والأخبار في هذا الباب كثيرة صحيحة منتشرة، مشيرة إلى العلو؛ لا يدفعها إلا ملحد أو جاهل معاند. والمراد بها توقيره وتنزيهه عن السفل والتحت. ووصفه بالعلو والعظمة لا بالأماكن والجهات والحدود لأنها صفات الأجسام. وإنما ترفع الأيدي بالدعاء إلى السماء لأن السماء مهبط الوحي، ومنزل القطر، ومحل القدس، ومعدن المطهرين من الملائكة، وإليها ترفع أعمال العباد، وفوقها عرشه وجنته؛ كما جعل الله الكعبة قبلة للدعاء والصلاة، ولأنه خلق الأمكنة وهو غير محتاج إليها، وكان في أزله قبل خلق المكان والزمان. ولا مكان له ولا زمان. وهو الآن على ما عليه كان. .
قوله تعالى: "أم أمنتم من في السماء أن يرسل عليكم حاصبا" أي حجارة من السماء كما أرسلها على قوم لوط وأصحاب الفيل. وقيل: ريح فيها حجارة وحصباء. وقيل: سحاب فيه حجارة. انتهى
وقال البغوي في تفسيره : فقال: 16- "أأمنتم من في السماء"، قال ابن عباس: أي: عذاب من في السماء إن عصيتموه، "أن يخسف بكم الأرض فإذا هي تمور"، قال الحسن: تتحرك بأهلها. وقيل: تهوي بهم. والمعنى: أن الله تعالى يحرك الأرض عند الخسف بهم حتى تلقيهم إلى أسفل، تعلو عليهم وتمر فوقهم. يقال: مار يمور، أي: جاء وذهب.
17- "أم أمنتم من في السماء أن يرسل عليكم حاصباً"، ريحاً ذات حجارة كما فعل بقوم لوط. "فستعلمون"، في الآخرة وعند الموت، "كيف نذير"، أي إنذاري إذا عاينتم العذاب. 18- "ولقد كذب الذين من قبلهم"، يعني كفار الأمم الماضية، "فكيف كان نكير"، أي إنكاري عليهم بالعذاب. وقال ابن جرير في تفسير : القول فـي تأويـل قوله تعالى:{أَأَمِنتُمْ مّن فِي السّمَآءِ أَن يَخْسِفَ بِكُمُ الأرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ * أَمْ أَمِنتُمْ مّن فِي السّمَآءِ أَن يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِباً فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ }.
يقول تعالى ذكره: أأَمنْتُمْ مَنْ فِي السّماءِ أيها الكافرون أنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الأرْضَ فإذا هِيَ تَمُورُ يقول: فإذا الأرض تذهب بكم وتجيء وتضطرب أمْ أمِنْتُمْ مَنْ فِي السّماءِ وهو الله أنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حاصِبا وهو التراب فيه الحصباء الصغار فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ يقول: فستعلمون أيها الكفرة كيف عاقبة نذيري لكم, إذ كذبتم به, ورددتموه على رسولي.
قال القاضي ابو بكر بن العربي المالكي في العارضة قوله في السماء اخبار كما تقدم عن غاية الرفعة ومنتهى الجلالة لا عن محل استقر فيه قال : بلغنا السماء مجدنا وحدودنا وانا لنرجو فوق ذلك مظهرا ولم يحل بالسماء ولكنه اراد ما ذكرناه أ.هـ
وفي الحاوي للفتاوي للحافظ السيوطي 2ص453 عن الشيخ عز الدين عند حديث من عرف نفسه فقد عرف ربه قال السيوطيإن هذا الحديث ليس بصحيح وقد سئل عنه النووي في فتاويه فقال:إنه ليس بثابت، قال وتنزه عن المكان والزمان، علمنا أنه أقرب إلى كل شيء ليس شيء أقرب إليه من شيء ولا شيء أبعد إليه من شيء لا بمعنى قرب المسافة لأنه منزه عن ذلك، علمنا أنه منزه عن الكيفية والأينية فلا يوصف بأين ولا كيف. علمنا أنه منزه عن الحس والجسم واللمس والمس، وقال الحافظ السيوطي: فكيف يليق بعبوديتك أن تصف الربوبية بكيف وأين وهو مقدس عن الكيف والأين.
وفي الفتح 7/98 قال الحاكم الاحاديث التي تصرح باهتزاز عرش الرحمن مخرجة في الصحيحين وليس لمعارضها في الصحيح ذكر انتهى وقيل المراد باهتزاز العرش اهتزاز حملة العرش ويؤيده حديث ان جبريل قال من هذا الميت الذي فتحت له أبواب السماء واستبشر به أهلها اخرجه الحاكم إلى ان قال، قال أبو الوليد بن رشد في شرح العتبية إنما نهى مالك لئلا يسبق إلى وهم الجاهل ان العرش إذا تحرك يتحرك الله بحركته كما يقع للجالس منا على كرسيه وليس العرش بموضع استقرار الله تبارك الله وتنزه عن مشابهة خلقه انتهى ملخصاً والذي يظهر ان مالكاً ما نهى عنه لهذا اذ لو خشي من هذا لما اسند في الموطأ حديث ينزل الله إلى سماء الدنيا لانه أصرح في الحركة من اهتزاز العرش ومع ذلك فمعتقد سلف الائمة وعلماء السنة من الخلف ان الله منزه عن الحركة والتحول والحلول ليس كمثله شيئ، ويحتمل الفرق بان حديث سعد ما ثبت عنده فأمر بالكف عن التحدث به بخلاف حديث النزول فانه ثابت فرواه ووكل أمره إلى فهم اولي العلم الذين يسمعون في القرءان استوى على العرش ونحو ذلك وقد جاء حديث اهتزاز العرش لسعد بن معاذ عن عشرة من الصحابة أو اكثر وثبت في الصحيحين فلا معنى لانكاره. اهـ
قال ابن عبد البر في التمهيد : روى حرملة بن يحيى قال سمعت عبدالله بن وهب يقول سمعت مالك بن أنس يقول من وصف شيئا من ذات الله مثل قوله وقالت اليهود يد الله مغلولة وأشار بيده إلى عنقه ومثل قوله وهو السميع البصير فأشار إلى عينيه أو أذنه أو شيئا من بدنه قطع ذلك منه لأنه شبه الله بنفسه .
وقال الحافظ ابن الجوزي في دفع شبه التشبيه ما نصه : روى أبو هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قرأ " إن الله كان سميعا بصيرا " النساء 58 , فوضع إصبع الدعاء وإبهامه على عينيه وأذنيه "
.قال العلماء : أراد بهذا تحقيق السمع والبصر لله تعالى , فأشار إلى الجارحتين اللتين هما محل السمع والبصر , لا أن لله سبحانه جارحة . انتهى . وقال البيهقي في الاسماء والصفات , " وليس في الخبر إثبات الجارحة تعالى الله عن شبه المخلوقين علوا كبيرا " .
والحديث رواه أبو داود في سننه , والبيهقي في الاسماء والصفات . وقد ورد في طبقات الحنابلة في ذكر عقيدة الإمام أحمد بن حنبل "كان الإمام أحمد رحمه الله تعالى يقول، الله تعالى له يدان وهما صفة له، ليستا بجارحتين وليستا مركبتين ولا جسم ولا من جنس الاجسام ولا من جنس المحدود والتركيب والابعاض والجوارح ولا يقاس على ذلك ولا له مرفق ولا عضلة ولا فيما يقتضي ذلك من إطلاق قولهم يد إلا ما نطق به القرآن الكريم، طبقات الحنابلة 2-391، ويقويه ما ذكره الحافظ البيهقي في مناقب أحمد قال وقال أبو الفضل التميمي رئيس الحنابلة ببغداد، و أنكر أحمد على من قال بالجسم، وقال إن الاسماء مأخوذة من الشريعة واللغة، وأهل اللغة وضعوا هذا الاسم على ذي طول وعرض وسمك وتركيب وصورة وتأليف والله سبحانه وتعالى خارج عن ذلك ولم يجيء في الشريعة ذلك. اه وفي طبقات الحنابلة لأبي يعلى أن الإمام أحمد كان يقول "والله تعالى لم يلحقه تغير ولا تبدل ولا يلحقه الحدود قبل العرش ولا بعد خلق العرش.
وقد قال صلى الله عليه وسلم "إنما نزل كتاب الله عز وجل يصدق بعضه بعضا، فلا تكذبوا بعضه ببعض فما علمتم منه فقولوه وما جهلتم فكلوه إلى عالمه "رواه الإمام عبد الرزاق في مصنفه وأحمد في المسند وابن ماجه، وقال أبو حنيفة في الفقه الاكبر "وصفاته في الازل غير محدثة ولا مخلوقة: فمن قال إنها مخلوقة أو محدثة، أو وقف فيها أو شك فيها فهو كافر بالله تعالى
وقال لم يزل ولا يزال بأسمائه وصفاته لم يحدث له اسم ولا صفة لم يزل عالما بعلمه والعلم صفة في الازل قادرا بقدرته والقدرة صفة في الازل الخ ما قاله ارجع اليه، وقد قال ابن تيمية في كتابه نقض المنطق ص5: وثبت عن الربيع بن سليمان انه قال: سالت الشافعي رحمه الله تعالى عن صفات الله تعالى ؟ فقال:حرام على العقول ان تمثل الله تعالى وعلى الاوهام ان تحدّه وعلى الظنون ان تقطع وعلى النفوس ان تفكر وعلى الضمائر ان تعمق وعلى الخواطر ان تحيط.
وقال أبو يعلى الفراء الحنبلي في كتابه إبطال التأويلات قال الإمام أحمد كلام الله لا يجيء ولا يتغير من حال إلى حال، وقال في رواية حنبل احتجوا علي يومئذ "تجيء البقرة يوم القيامة ""وتجيء تبارك "فقلت لهم هذا الثواب، قال فقد نص أحمد على المعنى الذي ذكرنا. انتهى. ونقله عن القاضي أبي يعلى ابن القيم في مختصر الصواعق ص 448 دار الحديث القاهرة .
وقال الذهبي في كتابه العلو , وقال حنبل بن اسحاق : قيل لابي عبد الله ما معنى " وهو معكم " قال : علمه محيط بالكل وربنا على العرش بلا حد ولا صفة . قال الإمام الترمذي في سننه 4-692 "والمذهب في هذا عند أهلم العلم من الائمة مثل سفيان الثوري ومالك بن أنس وابن المبارك وابن عيينة ووكيع وغيرهم أنهم رووا هذه الاشياء ثم قالوا: تروى هذه الاحاديث ونؤمن بها ولا يقال كيف، وهذا الذي اختاره أهل الحديث أن تروى هذه الأشياء كما جاءت ويُؤمَنُ بها، ولا تُفسرُ ولا تتوهم ولا يقال كيف، وهذا أمر أهل العلم الذي اختاروه وذهبوا إليه
وأما ما قاله شارح الطحاوية ابن أبي العز الحنفي فإن قال انه على العرش ولكن لا أدري العرش في السماء ام في الأرض قال هو كافر لانه انكر كونه في السماء فمن انكر انه في السماء فقد كفر لأن الله تعالى في أعلى عليين وهو يدعى من أعلى لا من أسفل. اهـ وكلامه مردود وهو من القائلين بالجهة أي جهة العلو والفوقية بالذات.
فاجاب الشيخ ملا علي القاري الحنفي في شرح الفقه الاكبر ص 171 بقوله: و الجواب انه ذكر الشيخ الإمام ابن عبد السلام في كتاب "حل الرموز "انه قال أي الإمام أبو حنيفة رحمه الله "من قال لا اعرف الله تعالى في السماء هو، ام في الأرض كفر، لان هذا القول يوهم ان للحق مكاناً ومن توهم ان للحق مكاناً فهو مشبه اهـ.
ولا شك ان ابن عبد السلام من أجل العلماء وأوثقهم فيجب الاعتماد على نقله لا على ما نقله الشارح ا هـ."أي ابن أبي العز"وهو رجل فاسد ضال ومشربه مشرب ابن تيمية من حيث المعتقد. قال الذهبي في كتابه العلو : وبلغنا عن أبي مطيع الحكم بن عبد الله البلخي صاحب الفقه الاكبر قال : سألت أبا حنيفة عمن يقول : لا أعرف ربي في السماء أو في الارض , فقال : قد كفر لأن الله يقول " الرحمن على العرش استوى " وعرشه فوق سماواته . فقلت إنه يقول : أقول على العرش استوى ولكن قال : لا يدري العرش في السماء أو في الارض , فقال : إذا أنكر أنه في السماء فقد كفر . رواها صاحب الفاروق بإسناد عن أبي بكر نصير بن يحيى عن الحكم . انتهى .
قلت في السند الحكم بن عبد الله بن مسلم أبو مطيع البلخي كان وضاعا ففي لسان الميزان قال أحمد : لا ينبغي أن يروى عنه شيء وقال أبو داود : تركوا حديثه , وقال ابن عدي : هو بين الضعف عامة ما يرويه لا يتابع عليه , وقال أبو حاتم الرازي كان مرجئا كذابا انتهى . ونقله ابن القيم في اجتماع جيوشه ص 74-75 من طريق أبي مطيع البلخي, ثم قال , قال شيخ الاسلام أبو العباس أحمد : ففي هذا الكلام المشهور عن أبي حنيفة عند أصحابه أنه كفر الواقف الذي يقول لا أعرف ربي في السماء أم في الارض , فكيف يكون الجاحد النافي الذي يقول ليس في السماء ولا في الارض ؟ واحتج على كفره بقوله تعالى " الرحمن على العرش استوى " قال : عرشه فوق سبع سموات , الخ قوله .
قلت ولم يبينوا كذب هذه الرواية ولا التي قبلها التي ذكرها ابن القيم من طريق نعيم بن حماد يقول سمعت نوح بن أبي مريم أبا عصمة يقول : كنا عند أبي حنيفة , الخ ما نقله , هناك , ولم يبين حال نوح هذا , بل ساقها ابن القيم وأوهم ثبوتها كعادته في التدليس , وحاله معروف عند علماء الجرح . قال فيه الحافظ ابن حجر كذبوه في الحديث , وقال ابن المبارك كان يضع . وقال الذهبي فقيه واسع العلم تركوه , وقال البخاري قال ابن المبارك لوكيع , حدثنا شيخ يقال له أبو عصمة كان يضع كما يضع المعلى بن هلال , وقال أحمد كان أبو عصمة يروي أحاديث مناكير , وقال أبو زرعة ضعيف الحديث , وقال أبو حاتم ومسلم بن الحجاج وأبو بشر الدولابي والدارقطني متروك الحديث , وقال النسائي سقط حديثه , وذكر أبو عبد الله النيسابوري الحافظ : أنه وضع حديث فضائل القرآن , وقال فيه ابن حبان نوح الجامع جمع كل شيء الا الصدق , وقال لا يجوز الاحتجاج به بحال , كما في تهذيب الكمال للمزي .
وقال القرطبي في تفسيره ايضا : عند قوله تعالى : وهو الله في السموات وفي الارض 6/390 والقاعدة تنزيهه جل وعز عن الحركة والانتقال وشغل الامكنة وقال في تفسير قوله تعالى : وهو القاهر فوق عباده " القهر والغلبة ومعنى فوق عباده فوقية الاستعلاء بالقهر والغلبة عليهم اي هم تحت تسخيره لا فوقية مكان كما تقول السلطان فوق رعيته اي بالمنزلة والرفعة . أ.هـ
قال الحافظ ابن حجر العسقلاني رحمه الله في الفتح ناقلا مقرا 6/158 : ولا يلزم من كون جهتي العلو والسفل محال على الله ان لا يوصف بالعلو لان وصفه بالعلو من جهة المعنى والمستحيل كون ذلك من جهة الحس أ.هـ قال الإمام النووي في شرح مسلم 3/19 وأنه منزه عن التجسم والانتقال والتحيز في جهة وعن سائر صفات المخلوق، وقال النووي أيضا: والله تعالى منزه عن الجسم والحد. وقال الشيخ ملاّ علي القاري في شرح الشفا 2/530 (والمحققون أنه تعالى منزه عن المكان والزمان وأما قوله تعالى {وهو الله في السموات وفي الأرض} فمعناه أنه هو المستحق لأن يعبد فيهما لا غير كقوله تعالى {وهو الذي في السماء إله وفي الأرض إله}
وقال الامام الرازي في التفسير الكبير 30/69-70 ( ءأمنتم من في السماء أن يخسف بكم الارض فاذا هي تمور ) واعلم ان المشبهة احتجوا على اثبات المكان لله تعالى بقوله ( ءأمنتم من في السماء ) الجواب عنه ان هذه الاية لا يمكن اجراؤها على ظاهرها باتفاق المسلمين لان كونه في السماء يقتضي كون السماء محيطا به من جميع الجوانب فيكون اصغر من السماء والسماء اصغر من العرش بكثير فيلزم ان يكون الله تعالى شيئا حقيرا بالنسبة إلى العرش ، وذلك باتفاق اهل الاسلام محال ولانه تعالى قال : ( قل لمن ما في السموات والارض قل لله ) فلو كان الله في السماء لوجب ان يكون مالكا لنفسه وهذا محال
فعلمنا ان هذه الاية يجب صرفها عن ظاهرها الى التأويل ثم فيه وجوه احدها لم لا يجوز ان يكون تقدير الاية أأمنتم من في السماء عذابه وذلك لان عادة الله جارية بأنه انما ينزل البلاء على من يكفر بالله ويعصيه من السماء ، فالسماء موضع عذابه تعالى كما انه موضع نزول رحمته ونعمته .
وقال الشيخ الامام زكريا الانصاري في كتاب فتح الرحمن بكشف ما يلتبس في القرءان ص 432 قوله تعالى ( ءأمنتم من في السماء ان يخسف بكم الارض ) ان قلت كيف قال ( من في السماء ) مع انه تعالى ليس فيها ولا في غيرها بل هو تعالى منزه عن كل مكان ؟ قلت المعنى من ملكوته في السماء التي هي مسكن ملائكته ومحل عرشه وكرسيه واللوح المحفوظ ومنه تنزل اقضيته وكتبه أهـ
. وقال ابو حيان الاندلسي في النهر الماد 2/2 ص 1131 " أأمنتم من في السماء " هذا مجاز وقد قام البرهان العقلي على انه تعالى ليس بمتحيز في جهة ومجازه ان ملكوته في السماء لان في السماء هو صلة من ففيه الضمير الذي كان في العامل فيه وهو استقر اي من في السماء هو اي ملكوته فهو على حذف مضاف وملكوته في كل شيء لكن خص السماء بالذكر لانها مسكن ملائكته وثم عرشه وكرسيه واللوح المحفوظ ومنها تنزل قضاياه وكتبه وأمره ونهيه .انتهى
وقال الله تعالى ( وفي السماء رزقكم وما توعدون ) . قال ابن حزم الظاهري في الفِصَل ص 98 فهو ان الله تعالى لا في مكان ولا في زمان قال وبه نقول وهو الذي لا يجوز غيره لبطلان كل ما عداه ولقوله تعالى : ( الا انه بكل شيء محيط ) فهذا يوجب ضرورة انه تعالى لا في مكان اذ لو كان في المكان لكان المكان محيطا به في جهة ما او من جهات وهذا منتف عن الباري بنص الاية المذكورة والمكان شيء بلا شك فلا يجوز ان يكون شيء في مكان ويكون هو محيطا بمكانه هذا محال في العقل يعلم امتناعه ضرورة و بالله تعالى التوفيق أ.ه .
وقال الامام ابو حنيفة رضي الله عنه في الفقه الابسط وكان من رؤوس علماء السلف الصالح كان الله ولا مكان كان قبل ان يخلق الخلق ، كان ولم يكن اين ولا خلق ولا شيء وهو خالق كل شيء .
وقال في الفقه الاكبر : لا جسم ولا عرض ولا حد له ولا ضد ولا ند ولا مثيل ، وثبت عن الامام احمد نفي الحد فقد قال ولا تلحقه الحدود قبل خلق العرش ولا بعده كما ذكره ابو الفضل التميمي في اعتقاد احمد وعن ذي النون المصري المتوفى 245 ه قال لا الاين والحيث والتكييف يدركه ولا يحد بمقدار ولا أمد .
تنبيه : قال ابن عطية في تفسيره المحرر الوجيز المجلد الرابع صحيفة:53 ما نصه قوله :{ في جذوع النخل} اتساع من حيث هو مربوط في الجذع وليست على حد قوله ركبت على الفرس .
وفي البحر المحيط لأبي حيان الأندلسي الجزء السادس صحيفة 242 ما نصه: ولما كان الجذع مقرا للمصلوب واشتمل عليه اشتمال الظرف على المظروف عدي الفعل بفي التي للوعاء وقيل في بمعنى على؛ وقيل نقر فرعون الخشب وصلبهم في داخله فصار ظرفا لهم حقيقة حتى يموتوا فيه جوعا وعطشا ومن تعدية صلب بفي قول .وفي الدر المصون في علوم الكتاب المكنون للسمين الحلبي الجزء الخامس صحيفة 41 ما نصه: قوله:{في جذوع النخل} يحتمل ان يكون حقيقة وفي التفسير أنه نقرَ جذوع النخل حتى جوفها ووضعهم فيها فماتوا جوعا وعطشا ؛ وأن يكون مجازا وله وجهان: أحدهما أنه وضع حرفا مكان ءاخر والأصل على جذوع النخل كقوله: بطلٌ كأن ثيابه في سَرحِه يُحذى نِعا السبت ليس بتوأم والثاني: فإنه شبه تمكنهم بتمكن مَن حواه الجذع ومن تعدى صلب بفي قول الشاعر: وقد صلبوا العبديَّ في جذع نخلة فلا عَطِسَت شيبان إلا بأجدَعا انتهى .
قال الشوكاني في تفسيره. "ولأصلبنكم في جذوع النخل" أي على جذوعها كقوله: "أم لهم سلم يستمعون فيه" أي عليه، ومنه قول سويد بن أبي كاهل: هم صلبوا العبدي في جذع نخلة فلا عطست شيبان إلا بأجدعا وإنما آثر كلمة في للدلالة على استقرارهم عليها كاستقرار المظروف في الظرف قال ابن جرير في تفسيره :وقوله: وَلأُصَلّبَنّكُمْ فِـي جُذُوعِ النّـخْـلِ يقول: ولأصلبنكم علـى جذوع النـخـل, كما قال الشاعر:
هُمْ صَلَبُوا العَبْدِيّ فِـي جِذْعِ نَـخْـلَةٍ فَلا عَطَسَتْ شَيْبـانُ إلاّ بأجْدَعا
يعنـي علـى جذع نـخـلة, وإنـما قـيـل: فـي جذوع, لأن الـمصلوب علـى الـخشبة يرفع فـي طولها, ثم يصير علـيها, فـيقال: صلب علـيها.
قال ابن الجوزي في الزاد : تقول: سماء عليا، وسماوات على، . قال الامام الزركشي في البحر المحيط فِي : لِلْوِعَاءِ إمَّا حَقِيقَةً وَهِيَ اشْتِمَالُ الظَّرْفِ عَلَى مَا يَحْوِيهِ ، كَقَوْلِك : الْمَالُ فِي الْكِيسِ ، وَإِمَّا مَجَازًا كَقَوْلِك : فُلَانٌ يَنْظُرُ فِي الْعِلْمِ ، وَالدَّارُ فِي يَدِهِ ، فَأَمَّا قَوْله تَعَالَى : { وَلِأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ } فَقَالَ : الْمُبَرِّدُ : بِمَعْنَى " عَلَى " ،
وَقَالَ الْحُذَّاقُ : عَلَى حَقِيقَتِهَا ؛ لِأَنَّ الْجِذْعَ يَصِيرُ مُسْتَقَرًّا لِهَذَا الْفِعْلِ .
وَقَالَ الْأَصْفَهَانِيُّ : الَّذِي يَظْهَرُ مِنْ كَلَامِ الْأُدَبَاءِ أَنَّهَا حَقِيقَةٌ فِي الظَّرْفِيَّةِ الْمُحَقَّقَةِ مَجَازٌ فِي غَيْرِهَا سِوَى الزَّمَخْشَرِيِّ ، فَإِنَّهُ قَالَ فِي قَوْله تَعَالَى : { وَلِأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ } مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا عَلَى بَابِهَا قَالَ : وَالْمُخْتَارُ أَنَّهُ كَانَ بَيْنَ الْمُحَقَّقِ وَالْمُقَدَّرِ قَدْرٌ مُشْتَرَكٌ فَهِيَ لِلْمُشْتَرَكِ دَفْعًا لِلِاشْتِرَاكِ ، وَإِلَّا فَهِيَ حَقِيقَةٌ فِي الْمُحَقَّقِ مَجَازٌ فِي الْمُقَدَّرِ ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ وَضْعُ اللَّفْظِ بِإِزَاءِ الْمُحَقَّقِ .
قَالَ الْأُسْتَاذُ أَبُو مَنْصُورٍ : وَلَا يَجِبُ أَنْ يَكُونَ الظَّرْفُ فِي حُكْمِ الْمَقْرُورِ بِهِ وَلِذَلِكَ قُلْنَا فِيمَنْ قَالَ : لِزَيْدٍ عَلَيَّ أَوْ عِنْدِي ثَوْبٌ فِي مِنْدِيلٍ : إنَّ إقْرَارَهُ يَتَنَاوَلُ الثَّوْبَ دُونَ الْمِنْدِيلِ وَزَعَمَ الْعِرَاقِيُّ أَنَّهُ إقْرَارٌ بِهِمَا .
تنبيه :
قال اهل اللغة والاستفهام هو طلب يوجه إلى المخاطب يستفهم به عن حقيقة أمر أو شيء معين , بواسطة أداة من أدوات الاستفهام , منها : أين . تقول : أين بيتك ؟ أين اسم استفهام مبني على الفتح في محل رفع خبر مقدم أو اسم استفهام مبني على الفتح في محل نصب على الظرفية متعلق بخبر مقدم محذوف تقديره موجود بيتك مبتدأ مؤخر مرفوع وعلامة رفعه الضمة وهو مضاف والكاف ضمير متصل مبني على الفتح في محل جر بالاضافة . أين كنت ؟
أين اسم استفهام مبني على الفتح في محل نصب على الظرفية , متعلق بخبر كان المقدم , المحذوف تقديره , موجودا كنت فعل ماض ناقص يرفع الاسم وينصب الخبر والتاء ضمير متصل مبني على الفتح في محل رفع اسم كان . وكذلك يستفهم بها عن المكانة والمنزلة والشأن , كما يقال أين هو منك , أين الثرى من الثريا ؟ أو الفرق بين الشيئين مثل : أين هذا من ذاك .
وقال ابن عثيمين في شرح العقيدة الواسطية ص 44 : قوله أين الله ( أين ) يستفهم بها عن المكان , واستفهام النبي صلى الله عليه وسلم ب ( أين ) يدل على أن لله مكانا
ولكن يجب أن نعلم أن الله تعالى لا تحيط به الامكنة , لانه أكبر من كل شيء وأن ما فوق الكون عدم , ما ثم إلا الله , فهو فوق كل شيء . قلت وهذا رجل جاهل بكلام العرب وصفات الرب سبحانه . قلت وماذا يقولون هؤلاء المجسمة والمشبهة الذين يتمسكون بالظواهر أي حقيقة ظاهر اللفظ المتبادر بقول الله تعالى " فلما أتاها نودي من شاطئ الواد الايمن في البقعة المباركة من الشجرة أن يا موسى إني انا الله رب العالمين الى قوله تعالى يا موسى أقبل ولا تخف إنك من الآمنين القصص -30 " وفي قوله تعالى " فأينما تولوا فثم وجه الله " البقرة 115 .
وقوله تعالى إخباراً عن آسية { ربب ابن لي عندك بيتـًا في الجنة} , وقوله صلى الله عليه وسلم في صحيح البخاري , عن عبد الله بن عمر مرفوعا : " إذا كان أحدكم يصلي فلا يبصق قِبَلَ وجهه فإن الله قبل وجهه إذا صلى " وفي رواية أخرى للبخاري من حديث سيدنا أنس مرفوعا : " إن أحدكم إذا قام في صلاته فإنه يناجي ربه أو إن ربه بينه وبين القبلة فلا يبزقُن أحدكم قِبَلَ قبلته " الحديث . وفي حديث البخاري ومسلم واللفظ لمسلم "الذي تدعونه اقرب إلى احدكم من عنق راحلة احدكم "
و كما روي عنه صلى الله عليه وسلم فيما رواه الترمذي "والله لو دليتم بحبل إلى الأرض السابعة لهبط على الله"وقوله تعالى إخباراً عن آسية { ربي ابن لي عندك بيتـًا في الجنة} وقوله صلى الله عليه وسلم الذي رواه الإمام مسلم "اللهم انت الصاحب في السفر والخليفة في الأهل "وبقوله تعالى {ولو ترى إذ المجرمون ناكسوا رؤوسهم عند ربهم} وحديث اني لست كأحدكم اني أبيت عند ربي يطعمني ويسقيني وهو في الصحيحين ,
وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال يقول الله تعالى أنا عند ظن عبدي وأنا معه حيث يذكرني فان ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي وان ذكرني في ملا ذكرته في ملا خير منه وان تقرب الي شبرا تقربت اليه ذراعا وان تقرب الي ذراعا اقتربت اليه باعا وان أتاني يمشي أتيته هرولة
قال الحافظ ابن حجر في الفتح والتقدير ان ذكرني في نفسه ذكرته بثواب لا أطلع عليه أحدا، وان ذكرني جهرا ذكرته بثواب أطلع عليه الملآ الاعلى وقال الحافظ ايضا قال ابن بطال وصف سبحانه نفسه بأنه يتقرب إلى عبده ووصف العبد بالتقرب اليه ووصفه بالاتيان والهرولة كل ذلك يحتمل الحقيقة والمجاز، فحملها على الحقيقة يقتضي قطع المسافات وتداني الاجسام وذلك في حقه تعالى محال، فلما استحالت الحقيقة تعين المجاز لشهرته في كلام العرب فيكون وصف العبد بالتقرب اليه شبرا وذراعا واتيانه ومشيه معناه التقرب اليه بطاعته وأداء مفترضاته ونوافله، ويكون تقربه سبحانه من عبده واتيانه والمشي عبارة عن اثابته على طاعته وتقربه من رحمته ويكون قوله أتيته هرولة أي أتاه ثوابي مسرعا
ونقل عن الطبري أنه إنما مثل القليل من الطاعة بالشبر منه والضعف من الكرامة والثواب بالذراع فجعل ذلك دليلا على مبلغ كرامته لمن ادمن على طاعته، أن ثواب عمله له على عمله الضعف وان الكرامة مجاوزة حده إلى ما يثيبه الله تعالى
وقال ابن التين القرب هنا نظير ما تقدم في قوله تعالى فكان قاب قوسين أو أدنى، فان المراد به قرب الرتبة وتوفير الكرامة، والهرولة كناية عن سرعة الرحمة اليه ورضا الله عن العبد وتضعيف الاجر اه
وقال ابن الجوزي والتقرب والهرولة توسع في الكلام كقوله تعالى،, سعوا في أياتنا، وقوله تعالى في سورة الحشر 3 : هُوَ الّذِيَ أَخْرَجَ الّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِن دِيَارِهِمْ لأوّلِ الْحَشْرِ مَا ظَنَنتُمْ أَن يَخْرُجُواْ وَظَنّوَاْ أَنّهُمْ مّانِعَتُهُمْ حُصُونُهُم مّنَ اللّهِ فَأَتَاهُمُ اللّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُواْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُواْ يَأُوْلِي الأبْصَارِ }.
قال ابن جرير في تفسيره : يعني تعالى ذكره بقوله: هُوَ الّذِي أخْرَجَ الّذِينَ كَفَروا مِنْ أهْلِ الكِتابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لأوّلِ الْحَشْرِ الله الذي أخرج الذين جحدوا نبوّة محمد صلى الله عليه وسلم من أهل الكتاب, وهم يهود بني النضير من ديارهم, وذلك خروجهم عن منازلهم ودورهم .
وقال ابن جرير :وقوله: فأتاهُمُ اللّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا يقول تعالى ذكره: فأتاهم أمر الله من حيث لم يحتسبوا أنه يأتيهم, وذلك الأمر الذي أتاهم من الله حيث لم يحتسبوا, قذف في قلوبهم الرعب بنزول رسول الله صلى الله عليه وسلم بهم في أصحابه, يقول جلّ ثناؤه: وَقَذَفَ في قُلُوبِهِمُ الرّعُبَ.
وقال ابن جرير في تفسيره في سورة النمل , آية 8 الآيات: 7 - 14 {إذ قال موسى لأهله إني آنست نارا سآتيكم منها بخبر أو آتيكم بشهاب قبس لعلكم تصطلون، فلما جاءها نودي أن بورك من في النار ومن حولها وسبحان الله رب العالمين، يا موسى إنه أنا الله العزيز الحكيم، وألق عصاك فلما رآها تهتز كأنها جان ولى مدبرا ولم يعقب يا موسى لا تخف إني لا يخاف لدي المرسلون،
وفي الحديث عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "لا تسبوا الدهر فإن الله هو الدهر "أخرجه أحمد ومسلم واخرجه البخاري بلفظ فان الله هو الدهر، ولفظ لمسلم فاني أنا الدهر
واخرجه البخاري ومسلم عن سفيان عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال الله تعالى يؤذيني ابن ادم يسب الدهر وانا الدهر بيدي الأمر أقلب الليل والنهار "قال أبو يعلى الفراء المجسم في كتابه إبطال التاويلات، فقد بين ابراهيم الحربي ان الخبر ليس على ظاهره وانه ورد على سبب وقال وقد ذكر شيخنا أبو عبد الله رحمه الله هذا الحديث في كتابه وقال لا يجوز أن يسمى الله دهرا والامر على ما قاله لانه قد روي في بعض الفاظ هذا الحديث ما منع من حمله على ظاهره انتهى
وكتاب أبي يعلى هذا المتوفى سنة 458 ه وكر ومشحون في التشبيه والتجسيم .
قال ابن جرير في تفسيره : واختلف أهل التأويـل فـي الـمعنـيّ بقوله مَنْ فِـي النّارِ فقال بعضهم: عنـي جلّ جلاله بذلك نفسه, وهو الذي كان فـي النار, وكانت النار نوره تعالـى ذكره فـي قول جماعة من أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:
20425ـ حدثنـي مـحمد بن سعد, قال: ثنـي أبـي, قال: ثنـي عمي, قال: ثنـي أبـي, عن أبـيه, عن ابن عبـاس, فـي قوله: فَلَـمّا جاءَها نُودِيَ أنْ بُورِكَ مَنْ فـي النّارِ يعنـي نفسه قال: كان نور ربّ العالـمين فـي الشجرة.
20426ـ حدثنـي إسماعيـل بن الهيثم أبو العالـية العبدي, قال: حدثنا أبو قُتَـيبة, عن ورقاء, عن عطاء بن السائب, عن سعيد بن جُبـير, فـي قول الله: بُورِكَ مَنْ فـي النّارِ قال: ناداه وهو فـي النار.
حدثنا مـحمد بن سنان القزاز, قال: حدثنا مكي بن إبراهيـم, قال: حدثنا موسى, عن مـحمد بن كعب, فـي قوله: أنْ بورِكَ مَنْ فِـي النّارِ نور الرحمن, والنور هو الله وَسُبْحَانَ اللّهِ رَبّ الْعَالَـمِينَ اه .
وقال البغوي في معالم التنزيل : وروي عن ابن عباس وسعيد بن جبير والحسن في قوله: "بورك من في النار"، يعني قدس من في النار، وهو الله، عنى به نفسه، على معنى أنه نادى موسى منها وأسمعه كلامه من جهتها، قوله تعالـى: {فَلَمّآ أَتَاهَا نُودِيَ مِن شَاطِىءِ الْوَادِي الأيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشّجَرَةِ أَن يَمُوسَىَ إِنّيَ أَنَا اللّهُ رَبّ الْعَالَمِينَ }. القصص 30
قال ابن جرير الطبري في تفسيره : حدثنا القاسم, قال: حدثنا الـحسين, قال: ثنـي حجاج, عن ابن جُرَيج, عن مـجاهد فَلَـمّا أتاها نُودِيَ مِنْ شاطِىءِ الوَادِ الأيـمَنِ قال: شِقّ الوادي عن يـمين موسى عند الطور. حدثنا بشر, قال: حدثنا يزيد, قال: حدثنا سعيد, عن قَتادة, قوله فَلَـمّا أتاها نُودِيَ مِنْ شاطىءِ الوَادِ الأيـمَنِ فِـي البُقْعَةِ الـمُبـارَكَةِ مِنَ الشّجَرَةِ قال: نودي من عند الشجرة أنْ يا مُوسَى إنـي أنا اللّهُ رَبّ العالَـمِينَ. وقوله: يا مُوسَى أقْبِلْ وَلا تَـخَفْ يقول تعالـى ذكره: فنودي موسى: يا موسى أقبل إلـيّ ولا تـخف من الذي تهرب منه إنّكَ مِنَ الاَمِنِـينَ من أن يضرّك, إنـما هو عصاك وقال ابن كثير في تفسيره :. وقوله تعالى: {أن يا موسى إني أنا الله رب العالمين}
أي الذي يخاطبك ويكلمك هو رب العالمين الفعال لما يشاء لا إله غيره ولا رب سواه, تعالى وتقدس وتنزه عن مماثلة المخلوقات في ذاته وصفاته وأقواله وأفعاله سبحانه . انتهى
فماذا يقولون المشبهة هل كان الله في الشجرة لما كلم موسى اخذا في ظاهر الخبر وانه ترك وأخلى العرش كما يزعمون بانه مستقر وجالس عليه , وهذا نص قراني ذكرناه , ظاهره المتبادر أن الله كان في تلك البقعة من شاطئ الوادي الايمن وأنه في الشجرة أو عند الشجرة , اليس ظاهر الاية التحديد والحصر من شاطئ الوادي الايمن , وزيد على حسب الظاهر الحصر والتحديد من الشجرة , تعالى الله عما يقول الظالمون علوا كبيرا
وقال ابن القيم كما في مختصر الصواعق : 2 470 طبعة دار الحديث القاهرة : ما نصه : وروى عبد الله بن أحمد عن نوف قال : نودي موسى من شاطئ الوادي . قال من أنت الذي تناديني ؟ قال أنا ربك الاعلى . انتهى .
قال القرطبي في تفسيره :{فلما أتاها نودي من شاطئ الواد الأيمن في البقعة المباركة من الشجرة أن يا موسى إني أنا الله رب العالمين}
قوله تعالى: "فلما أتاها" يعني الشجرة قدم ضميرها عليها "نودي من شاطئ الواد" "من" الأولى والثانية لابتداء الغاية، أي أتاه النداء من شاطئ الوادي من قبل الشجرة و"من الشجرة" بدل من قوله: "من شاطئ الواد" بدل الاشتمال، لأن الشجرة كانت نابتة على الشاطئ، وشاطئ الوادي وشطه جانبه،
"الأيمن" أي عن يمين موسى وقيل: عن يمين الجبل "في البقعة المباركة من الشجرة"
"ومن الشجرة" أي من ناحية الشجرة .
، قال القرطبي في تفسيره : وقول ثالث قاله ابن عباس والحسن وسعيد بن جبير: قدس من في النار وهو الله سبحانه وتعالى، عنى به نفسه تقدس وتعالى.
قال ابن عباس ومحمد بن كعب: النار نور الله عز وجل؛ نادى الله موسى وهو في النور؛ وتأويل هذا أن موسى عليه السلام رأى نورا عظيما فظنه نارا؛ وهذا لأن الله تعالى ظهر لموسى بآياته وكلامه من النار لا أنه يتحيز في جهة "وهو الذي في السماء إله وفي الأرض إله" [الزخرف: 84] لا أنه يتحيز فيهما، ولكن يظهر في كل فعل فيعلم به وجود الفاعل. وقيل على هذا: أي بورك من في النار سلطانه وقدرته. وقيل: أي بورك ما في النار من أمر الله تعالى الذي جعله علامة.
وقال الذهبي في كتاب العلو :شريك عن عطاء عن سعيد عن ابن عباس " أن بورك من في النار " النمل , قال : الله عز وجل " ومن حولها " قال الملائكة إسناده صالح , انتهى .
فهل هؤلاء الجهوية القائلون في جهة فوق على ظاهر الاخبار يقولون ان الله عز وجل كان في تلك البقعة وفي قوله تعالى أقبل ، هل يقولون إقبال مسافة الى مسافة بينه وبين الباري ؟ وماذا يقولون في حديث البخاري " اذا كان احدكم يصلي فلا يبصق قبل وجهه فان الله قبل وجهه اذا صلى " وفي رواية إخرى للبخاري " إن احدكم إذا قام في صلاته فانه يناجي ربه أو ان ربه بينه وبين القبلة فلا يبصق احدكم قبل قبلته "
فهل يقولون ان الله بين العبد وبين القبلة بالمسافة والجهة على ظاهر الخبر أو ان الله أمام العبد بالمسافة قريب منه متمسكاً بالظاهر من هذا الحديث وغيره من الاحاديث التي يدل ظاهرها على اثبات الجهة والمكان لله تعالى .
بماذا يجيبون هؤلاء المجسمة وماذا يصنعون بحديث مسلم "أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد" فهل يأخذون بهذه الظواهر فيثبتون الجهة وقرب المسافة لله تعالى والمكان ام ياخذون بظواهر بعض الايات والاحاديث ويتركون البعض فما هذا التحكم ؟ وماذا يفعلون بقوله تعالى " وهو معكم اينما كنتم " وبقوله تعالى حكاية عن سيدنا ابراهيم عليه السلام " إني ذاهب إلى ربي " مع إتفاق المفسرين انه كان ذاهب إلى بر الشام .
وكذلك قوله تعالى " وهو الله في السموات والارض " وقوله تعالى "انني معكما اسمع وأرى "
قال ابن جرير في تفسيره: القول فـي تأويـل قوله تعالى: {أَفَعَيِينَا بِالْخَلْقِ الأول بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مّنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ * وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ , وقد اختلف أهل العربية في معنى قوله: ونَحْنُ أقْرَبُ إلَيْهِ مِنْ حَبْلٍ الوَرِيدِ فقال بعضهم: معناه: نحن أملك به, وأقرب إليه في المقدرة عليه.
وقال آخرون: بل معنى ذلك: ونَحْنُ أَقْرَبُ إلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الوَرِيد بالعلم بما تُوَسْوس به نفسه.
وقال البغوي في تفسير:. "ولقد خلقنا الإنسان ونعلم ما توسوس به نفسه "، يحدث به قلبه ولا يخفى علينا سرائره وضمائره، "ونحن أقرب إليه "، أعلم به، "من حبل الوريد "، لأن أبعاضه وأجزاءه يحجب بعضها بعضاً، ولا يحجب علم الله شيء
وقوله " والذين كفروا اعمالهم كسراب بقيعة يحسبه الظمان ماءً حتى اذا جاءه لم يجده شيئاًووجد الله عنده "الاية وقوله تعالى في الظل " ثم قبضناه الينا قبضاً يسيراً" وقوله " ونحن اقرب اليه منكم ولكن لا تبصرون " وقوله تعالى " فاينما تولوا فثم وجه الله "
وفي حديث البخاري ومسلم واللفظ لمسلم " الذي تدعونه اقرب الى احدكم من عنق راحلة احدكم "
و كما روي عنه صلى الله عليه وسلم فيما رواه الترمذي " والله لو دليتم بحبل الى الارض السابعة لهبط على الله" وقوله تعالى إخباراً عن آسية { رب ابن لي عندك بيتـًا في الجنة} وقوله صلى الله عليه وسلم الذي رواه الامام مسلم " اللهم انت الصاحب في السفر والخليفة في الأهل " وبقوله تعالى {ولو ترى إذ المجرمون ناكسوا رؤوسهم عند ربهم}
وحديث اني لست كأحدكم اني أبيت عند ربي يطعمني ويسقيني وهو في الصحيحين فبعض هذه الايات والاحاديث لو حمل على ظاهرها لكان فيه اثبات التحيز والجهة وشغل المكان في جهة العلو ،في السموات وفي الجنة وفوق العرش، وفي بعضها اثبات المسافة بين العبد وربه في الارض ، وفي بعضها في كل الجهات ، وكل ذلك باطل عقلاً وشرعاً وسبيل التوفيق في ذلك الرجوع الى الايات المحكمة ، وصريح العقل ، إذ العقل شاهد الشرع ولا يأتي الشرع الا بما يتوافق مع العقل، ولا يأتي الشرع بما يحيله العقل
والعقل قاض بأن الله عز وجل لا يشبه شيئاً ولا مِثْلَ له وانه منزه عن سمات الحدث وفي قوله تعالى " ليس كمثله شيء " كفاية لتنزيه الله عز وجل عن مشابهة المخلوقين . وما اجمل عبارة الحافظ ابن الجوزي فان علم المعقولات يصرف ظواهر المنقولات عن التشبيه فاذا عدموها تصرفوا في النقل بمقتضى الحس , فالمجسمة والمشبهة يقولون فوق العرش بذاته وفي السماء بذاته وبيننا وبين القبلة على الحقيقة وينزل على الحقيقة وهل يخلو منه العرش فيه قولان ومحيظ بالعالم على الحقيقة وفي الجنة على الحقيقة نعوذ بالله من فساد المعتقد وقالوا ويضع قدمه ورجله في النار و ياتي هروله على الحقيقة وكيف توجه العبد فيقابل وجه الله على الحقيقة ولا يمتنع عليه ذلك. سبحان واهب العقول فاحذرهم ايها العاقل وحذر منهم
قال الحافظ ابن حجر عند قوله صلى الله عليه وسلم " إن أحدكم اذا قام في صلاته فانه يناجي ربه او ان ربه بينه وبين القبلة " الحديث .
فيه الرد على من أثبت انه على العرش بذاته .
وقال المحدث الزبيدي في الاتحاف ج3/ص18 ، " وقيل أقرب ما يكون العبد من الله تعالى أي من رحمته (ان يكون ساجداً اي حالة سجوده وهو معنى قوله عز وجل في اخر سورة العلق " واسجد واقترب" اي دم على سجودك اي صلاتك واقترب من الله تعالى "
وهذا قول مجاهد اخرجه عبد الرزاق في مصنفه وسعيد بن منصور في سننه عنه قال "اقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد ألا تسمعونه يقول واسجد واقترب وقال الزبيدي عند حديث " ان احدكم اذا قام في صلاته فانما يناجي ربه أو ربه بينه وبين قبلته فلا يبزقن في قبلته ولكن عن يساره أو تحت قدمه الحديث ، رواه البخاري ومسلم والترمذي وابو داود والنسائي ، قال الثانية قوله أو أن ربه بينه وبين القبلة ظاهره محال لتنزيه الرب تعالى عن المكان فيجب على المصلي اكرام قبلته بما يكرم به من يناجيه من المخلوقين عند استقبالهم بوجهه ومن اعظم الجفاء وسوء الادب ان تتنخم في توجهك إلى رب الأرباب وقد اعلمنا الله باقباله على من توجه إليه.
وقال الكرماني في شرح البخاري 4 ــ 70: فإن قلت ما معنى كون الرب بينه وبين القبلة إذ لا يصح على ظاهره لأن الله تعالى منزّه عن الحلول في المكان تعالى عنه . قال الحافظ البيهقي في كتابه الاسماء والصفات ج2/ص213 وقال ابو الحسن بن مهدي فيما كتب لي ابو نصر بن قتادة من كتابه معنى قوله صلى الله عليه وسلم ان الله قبل وجهه اي ان ثواب الله لهذا المصلي ينزل عليه من قبل وجهه ومثله قوله " يجيء القرءان بين يدي صاحبه يوم القيامة " : اي يجيء ثواب قراءته القرءان . وقال ابن كثير في تفسيره وقال عكرمة عن ابن عباس " فأينما تولوا فثم وجه الله " قال قبلة الله ،
وقال ابن جرير حدثنا ابو كريب أخبرنا ابن إدريس حدثنا عبد الملك هو ابن ابي سليمان عن سعيد بن جبير عن ابن عمر انه كان يصلي حيث توجهت به راحلته . ويذكر ان رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يفعل ذلك ويتأول هذه الاية " فأينما تولوا فثم وجه الله " رواه مسلم والترمذي والنسائي وابن ابي حاتم وابن مردويه من طرق عن عبد الملك بن ابي سليمان به وأصله في الصحيحين من حديث ابن عمر وعامر بن ربيعة من غير ذكر الاية اهـ بتصرف " ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم ولا أدنى من ذلك ولا اكثر إلا هو معهم أينما كانوا " أي مطلع عليهم يسمع كلامهم وسرهم ونجواهم قاله ابن كثير .
وفي الصحيحين من حديث ابي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال يقول الله تعالى أنا عند ظن عبدي وأنا معه حيث يذكرني فان ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي وان ذكرني في ملا ذكرته في ملا خير منه وان تقرب الي شبرا تقربت اليه ذراعا وان تقرب الي ذراعا اقتربت اليه باعا وان أتاني يمشي أتيته هرولة , قال الحافظ ابن حجر في الفتح والتقدير ان ذكرني في نفسه ذكرته بثواب لا أطلع عليه أحدا , وان ذكرني جهرا ذكرته بثواب أطلع عليه الملآ الاعلى .
ثم يقال لمن يستدل بحديث الجارية بأن الله في السماء حقيقة بذاته، يقال له ماذا تقول بمن أورد عليكم حديث أحمد في المسند والترمذي في جامعه وابن ماجه في سننه والطبراني في الكبير، من طريق حماد بن سلمة عن يعلى بن عطاء عن وكيع بن حدس (وقد قال الذهبي في العلو: رواه شعبة وغيره عن يعلى فقالوا، بدل عدس بدل حدس
وقال الذهبي في العلو وإسناده حسن، قلت بل الحديث ضعيف وفيه وكيع بن عدس ولم يوثقه إلا ابن حبان ولم يرو عنه إلا يعلى بن عطاء وضعفه المتناقض الالباني في ضعيف الترمذي وفي ضعيف ابن ماجه وفي تخريجه لسنة ابن أبي عاصم، أما ما قاله في مختصر العلو ص 186 "
وقال رواه الترمذي وابن ماجه وإسناده حسن، فليس بحسن، ولكن صحح اسناده ابن العربي في العارضة فافهم.
عن أبي رزين العقيلي قال: قلت يا رسول الله أين كان ربنا قبل أن يخلق السموات و الأرض ؟. فالجواب من الخصم والمعارض، إما أن يقول كان ولا شيء معه، ولم يكن شيء غيره كما قال رسول الله كما في صحيح البخاري وغيره،وهذه الموجودات من العرش والسموات والماء لم تكن موجودة وكان الله قبل هذه الموجودات، وإما أن يقول إن الله كان في الازل وكانت السموات و الأرض والعرش أو شيء من ذلك , وهو الحاد وكفر والرد عليه واضح
وإما أن يقول: كان وحده في الازل ثم انتقل وتحول من لا مكان ولا زمان أي من الازل إلى الإمكان وهو الحدوث حتى صار في السماء حقيقة بظاهر حديث الجارية، أو جلس واستقر بظاهر آية الاستواء كما تقول المشبهة، وهذا فيه نسبة الحدوث والامكان لله تعالى والتنقل والتحول والتصرف في نفسه، وهذا التحول والتنقل بزعمهم يكون تجدد عليه شيء لم يكن
أضف أنه لم يجيء ذلك لا في كتاب ولا سنة ولا عن أحد من السلف فوصفوا الله بما لم يصف به نفسه ولا وصفه به رسوله، بل رسول الله صلى الله عليه وسلم قال كان الله ولم يكن شيء غيره
ونقل على ذلك ابن حزم الاجماع، ومن قال بخلاف ذلك كفر كما في مراتب الاجماع، وقال أبو حنيفة في الفقه الاكبر "وصفاته في الازل غير محدثة ولا مخلوقة: فمن قال إنها مخلوقة أو محدثة، أو وقف فيها أو شك فيهما فهو كافر بالله تعالى، وقال لم يزل ولا يزال بأسمائه وصفاته لم يحدث له اسم ولا صفة لم يزل عالما بعلمه والعلم صفة في الازل قادرا بقدرته والقدرة صفة في الازل الخ ما قاله ارجع اليه
قال ملا علي القاري أي موصوفا بنعوت الكمال، وأن صفات الله وأسمائه كلها أزلية لا بداية لها وأبدية لا نهاية لها، لم يتجدد له تعالى صفة من صفاته ولا إسم من أسمائه لانه سبحانه واجب الوجود لذاته الكامل في ذاته وصفاته، فلو حدث له صفة أو زال عنه نعت لكان قبل حدوث تلك الصفة وبعد زوال ذلك النعت ناقصا عن مقام الكمال وهو في حقه سبحانه من المحال فصفاته تعالى كلها أزلية أبدية. انتهى
واما الحديث الثاني حديث أبي رزين فقد قال فيه يزيد بن هارون: قوله في عماء أي ليس معه شيء كما نقل عنه الترمذي في جامعه وقيل: إن هذا بالقصر.
وقال ابن الجوزي: العماء السحاب. واعلم ان الفــوق والتحت يرجعان إلى السحاب لا إلى الله تعالى. و (في) بمعنى فوق. والمعنى: كان فوق السحاب بالتدبير والقهر ولما كان القوم يأنسون بالمخلوقات سألوا عنها. والسحاب من جملة خلقه.
ولو سئل عما قبل السحاب لاخبر ان الله تعالى كان ولا شيء معه. كما روي في الحديث: كان الله تعالى ولا شيء معه. ولسنا نختلف ان الجبار تعالى لا يعلوه شيء من خلقه بحال، وانه لا يحل في الاشياء بنفسه، ولا يزول عنها لانه لو حل بها كان منها، ولو زال عنها لنأى عنها. اهـ
قال القاضي ابو بكر ابن العربي في العارضة ( وقد سأل بها النبي السوداء في الصحيح من الصحيح وغيره فقال لها اين الله والمراد بالسؤال بها عنه تعالى المكانة فان المكان يستحيل عليه وهي أين مستعملة فيه وقيل إن استعمالها في المكان حقيقة وفي المكانة مجاز وقيل هما حقيقتان وكل خارج على أصل التحقيق مستعمل على كل لسان وعند كل فريق . انتهى
قال ابن الجوزي في كتابه المجالس ثم يقال للمشبهة الذين ينكرون التأويل ما تقولون في قول سيد الاولين والاخرين "الحجر الاسود يمين الله في الأرض "هل تتأول الحديث أم لا ؟ فإن قلت لا أتأوله، وأحمل اللفظ على ظاهره، فقد خرقت الاجماع والحقت معبودك بالجمادات ووصفته بها وهذا شيء يتقدس عنه العبد المخلوق فكيف بالمولى الخالق ؟ ولهذا اجمعت الامة على تأويل هذا الحديث من قال بالتأويل ومن أنكره وكذلك أجمعوا على تأويل قول النبي "أخذ نفس الرحمن من قبل اليمن "لاستحالة أن يكون الحجر الاسود صفة من صفات الله أو يكون له نفس كتصاعد نفس الآدمي .
وهنا أكون قد أتممت ما تيسر لي قوله وجمعه في حديث الجارية وبيان أقوال المحققين وأهل العلم
فرغت من تأليف هذه الرسالة بفضل الله وكرمه يوم الجمعة 23 جمادى الأولى 1415هـ
وكتبه العبد الفقير المعترف بالعجز والتقصير ابوعلي محمود بن منصور غفر الله له ولوالديه ءامين وأسأل الله العلي القدير أن ينفع في هذه الرسالة كل من كان قلبه غافلا عن الحق ومائلا إلى الباطل ومن كان على التشبيه أو الحيرة
وهو حسبي وعليه التوكل ومنه الهداية والتوفيق .
إنتهى البحث
منقول كتبه أبو علي محمود منصور المعروف بالداني.
| < السابق | التالي > |
|---|






![]() | اليوم | 138 |
![]() | أمس | 178 |
![]() | هذا الأسبوع | 660 |
![]() | الأسبوع الماضي | 1202 |
![]() | هذا الشهر | 1357 |
![]() | الشهر الماضي | 4752 |





